64.18
قوله تعالى: ﴿ عالم الغيب والشهادة ﴾.
مجيء الآية بالجملة الاسمية يشعر بالحصر، وقد صرح به في قوله تعالى:
وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو
[الأنعام: 59]، ومجيؤه هنا أيضا يشعر بأن الرقابة على الأسرة بين الطرفين إنما هي لله تعالى، لأنهما يكونان في عزلة عن الناس ولا يطلع على ما بينهما إلا الله، عالم الغيب والشهادة، أي فليراقب كل منهما ربه عالم الغيب والشهادة، ومجازيا كلا منهما على فعله.
65 - سورة الطلاق
65.1
قوله تعالى: ﴿ يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم ﴾ الآية.
قيل في سبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وسلم طلق حفصة رضي الله عنها فنزلت، وقيل غير ذلك، وعلى كل، فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما هو معلوم.
ومما يشهد لهذه القاعدة ما لو أخذنا بعين الاعتبار النسق الكريم بين السورتين، حيث كان آخر ما قبلها موضوع الأولاد والزوجات من فتنة وعداء.
والإشارة إلى علاج ما بين الزوجين من إنفاق وتسامح على ما أشرنا إليه سابقا هناك، فإن صلح ما بينهم بذاك فبها ونعمت، وإن تعذر ما بينهما وكانت الفرقة متحتمة فجاءت هذه السورة على إثرها تبين طريقة الفرقة السليمة في الطلاق وتشريعه وما يتبعه من عدد وإنفاق ونحو ذلك.
وقوله تعالى: ﴿ يأيها النبي ﴾ بالنداء للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقوله، ﴿ إذا طلقتم ﴾ بخطاب لعموم الأمة. قالوا: كان النداء للنبي صلى الله عليه وسلم، والخطاب للأمة تكريما لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتكليفا للأمة. وقيل: خوطبت الأمة في شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم كخطاب الجماعة في شخصية رئيسها.
وقال الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه: ولهذه الآية استدل من يقول: إن الرسول صلى الله عليه وسلم يكون داخلا في عموم خطاب الأمة اه.
والواقع أن الخطاب الموجه للنبي صلى الله عليه وسلم على ثلاث أقسام:
الأول: قد يتوجه الخطاب إليه صلى الله عليه وسلم ولا يكون داخلا فيه قطعا، وإنما يراد به الأمة بلا خلاف من ذلك قوله تعالى في بر الوالدين:
إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا
[الإسراء: 23-24].
فكل صيغ الخطاب هنا موجهة للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو قطعا ليس مراد بذلك لعدم وجود والدين، ولا أحدهما عند نزولها كما هو معلوم.
الثاني: أن يكون خاصا به لا يدخل معه غيره قطعا، نحو قوله تعالى:
وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين
[الأحزاب: 50].
والثالث: هو الشامل له صلى الله عليه وسلم ولغيره بدليل هذه الآية، وأول السورة التي بعدها في قوله تعالى:
يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك
[التحريم: 1]، فهذا كله خطاب موجه له صلى الله عليه وسلم.
وجاء بعدها مباشرة
قد فرض الله لكم
[التحريم: 2] - بخطاب الجميع -
تحلة أيمانكم
[التحريم: 2] فدل أن الآية داخلة في قوله تعالى: ﴿ يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك ﴾ ، وهذا باتفاق.
وقد بين الشيخ رحمة الله تعالى علينا وعليه، هذه المسألة بأقوى دليل فيها عند قوله تعالى:
فأقم وجهك للدين حنيفا
[الروم: 30] إلى قوله:
منيبين إليه
[الروم: 31].
وقوله تعالى: ﴿ إذا طلقتم النسآء ﴾ الآية. يشعر بأن كل المطلقات من النساء يطلقن لعدتهن وتحصى عدتهن.
والإحصاء العدد مأخوذ من الحصا، وهو الحصا الصغير كانت العرب تستعمله في العدد لأميتهم، ثم ذكر بعض عدد لبعض المطلقات ولم يذكر جميعهن مع أنه من المطلقات من لا عدة لهن وهن غير المدخول بهن. ومن المطلقات من لم يذكر عدتهن هنا.
قال الزمخشري: إنه لا عموم ولا تخصيص، لأن لفظ النساء اسم جنس يطلق على الكل وعلى البعض، وقد أطلق هنا على البعض وهو المبين حكمهن بذكر عدتهن، وهنا اللاتي يئسن والصغيرات وذوات الحمل، وحاصل عدد النساء تتلخص في الآتي، وهي أن الفرقة إما بحياة أو بموت، والمفارقة إما حامل أو غير حامل، فالحامل عدتها بوضع حملها اتفاقا، ولا عبرة بالخلاف في ذلك لصحة النصوص، وغير الحامل بأربعة أشهر وعشر مدخول بها وغير مدخول. والمفارقة بالحياة إما مدخول بها أو غير مدخول بها، فغير المدخول بها لا عدة عليها إجماعا، والمدخول بها إما من ذوات الإقراء فعدتها ثلاثة قروء على خلاف في المراد بالقرء.