تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

59 - سورة الحشر

59.1

تقدم للشيخ رحمه الله كلام على معنى التسبيح عند قوله تعالى:

وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين

[الأنبياء: 79].

وقال رحمه الله: التسبيح في اللغة الإبعاد عن السوء، وفي اصطلاح الشرع تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وساق رحمه الله النصوص في تسبيح المخلوقات جميعها.

وقال في آخر المبحث: والظاهر أن قوله تعالى: ﴿ وكنا فاعلين ﴾ مؤكد لقوله تعالى: ﴿ وسخرنا مع داوود الجبال يسبحن والطير ﴾ والموجب لهذا التأكيد أن تسخير الجبال وتسبيحها أمر عجب خارق للعادة، مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة [من الجزء الرابع وذكر عند أول سورة الحديد زيادة لذلك].

وفي مذكرة الدراسة مما أملاه رحمه الله في فصل الدراسة على أول سورة الجمعة:

يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم

[الجمعة: 1] قال: التسبيح التنزيه، وما التي لغير العقلاء، لتغلب غير العقلاء لكثرتهم، وكان يمكن الاكتفاء بالإحالة على ما ذكره رحمه الله تعالى، إلا أن الحاجة الآن تدعو إلى مزيد بيان بقدر المستطاع، لتعلق المبحث بأمر بالغ الأهمية، ونحن اليوم في عصر تغلب عليه العلمانية والمادية، فنورد ما أمكن أملا في زيادة الإيضاح.

إن أصل التسبيح من مادة سبح، والسباحة والتسبيح مشتركان في أصل المادة، فبينهما اشتراك في أصل المعنى، والسباحة في الماء ينجو بها صاحبها من الغرق، وكذلك المسبح لله والمنزه له ينجو من الشرك ويحيا بالذكر والتمجيد لله تعالى.

وقد جاء الفعل هنا بصيغة الماضي: سبح لله كما جاء في أول سورة الحديد.

قال أبو حيان عندها: لما أمر الله تعالى الخلق بالتسبيح في آخر سورة الواقعة، يعني في قوله تعالى:

إن هذا لهو حق اليقين فسبح باسم ربك العظيم

[الواقعة: 95-96] جاء في أول السورة التي تليها مباشرة بالفعل الماضي، ليدل على أن التسبيح المأمور به قد فعله والتزم به كل ما في السماوات والأرض اه.

ومعلوم أن الفعل قد جاء أيضا بصيغة المضارع كما في آخر هذه السورة:

يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم

[الحشر: 24]، وفي أول سورة الجمعة:

يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس العزيز الحكيم

[الجمعة: 1]، وفي أول سورة التغابن:

يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير

[التغابن: 1]، وهذه الصيغة تدل على الدوام والاستمرار.

بل جاء الفعل بصيغة الأمر:

سبح اسم ربك الأعلى

[الأعلى: 1]،

فسبح باسم ربك العظيم

[الواقعة: 74]. وجاءت المادة بالمصدر:

سبحان الذي أسرى بعبده ليلا

[الإسراء: 1]،

فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون

[الروم: 17]، ليدل ذلك كله بدوام واستمرار التسبيح لله تعالى من جميع خلقه، كما سبح سبحانه نفسه، وسبحته ملائكته ورسله، على ما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه.

وما في قوله تعالى: ﴿ ما في السماوات وما فى الأرض ﴾ من صيغ العموم، وأصل استعماله لغير العقلاء، وقد تستعمل للعاقل إذا نزل غير العاقل، كما في قوله تعالى:

فانكحوا ما طاب لكم من النسآء

[النساء: 3]، ومجيؤها هنا لغير العاقل تغليبا له لكثرته كما تقدم، فتكون شاملة للعاقل من باب أولى.

ومما يلفت النظر أن التسبيح الذي في معرض العموم كله في القرآن مسند إلى " ما " دون " من " إلا في موضع واحد، هو قوله تعالى:

تسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن

[الإسراء: 44]، وهذا شاهد على شمول " ما " وعمومها المتقدم ذكرها، لأنه سبحانه أسند التسبيح أولا إلى السماوات السبع والأرض صراحة بذواتهن، وهن من غير العقلاء بما في كل منهن من أفلاك وكواكب وبروج، أو جبال ووهاد وفجاج، ثم عطف على غير العقلاء بصيغة " من " الخاصة بالعقلاء فقال: ﴿ ومن فيهن ﴾ ، وإن كان " من " ، قد تستعمل لغير العقلاء إذا نزلن منزلة العقلاء كما في قول الشاعر:

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٢١٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٢١٩٨