تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أتتخذون آيات الله هزوا؟ أو دين الله هزوا. أو لعبا؟ من طلق ألبتة ألزمناه ثلاثا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره "

، وفيه إسماعيل بن أمية، قال فيه الدارقطني كوفي ضعيف. ومن أدلتهم ما رواه الدارقطني من حديث حماد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب عن انس قال سمعت أنس بن مالك يقول سمعت معاذ بن جبل يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول

" يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته "

وفي إسناده إسماعيل بن أمية الذارع وهو ضعيف أيضا. فهذه الأحاديث وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال فإن كثرتها واختلاف طرقها وتباين مخارجها يدل على أن لها أصلا، والضعاف المعتبر بها إذا تباينت مخارجها شد بعضها بعضا فصلح مجموعها للاحتجاج، ولا سيما أن منها ما صححه بعض العلماء كحديث طلاق ركانة ألبتة، وحسنه ابن كثير ومنها ما هو صحيح، وهو رواية إنفاذه صلى الله عليه وسلم طلاق عويمر ثلاثا مجموعة، عند أبي داود. وقد علمت معارضة تضعيف حديث ابن عمر عند الدارقطني من جهة عطاء الخراساني، ومعلى بن منصور، وشعيب بن زريق، إلى آخر ما تقدم.

لا تخاصم بواحد أهل بيت فضعيفان يغلبان قويا

وقال النووي في شرح مسلم ما نصه واحتج الجمهور بقوله تعالى

ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدرى لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا

الطلاق 1. قالوا معناه أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه.

لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيا، فلا يندم اه محل الغرض منه بلفظه. قال مقيده - عفا الله عنه - ومما يؤيد هذا الاستدلال القرآني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد قال كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة. ثم يقول يا ابن عباس، إن الله قال

ومن يتق الله يجعل له مخرجا

الطلاق 2 وإنك، لم تتق الله. فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وأخرج له ابو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها ومن يتق الله، ولم يجمع الطلاق في لفظة واحدة يجعل له مخرجا بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في لفظ واحد لم يجعل له مخرجا بالرجعة. لوقوع البينونة بها مجتمعة، هذا هو معنى كلامه، الذي لا يحتمل غيره. وهو قوي جدا في محل النزاع. لأنه مفسر به قرآنا، وهو ترجمان القرآن وقد قال صلى الله عليه وسلم

" اللهم علمه التأويل "

وعلى هذا القول جل الصحابة، وأكثر العلماء، منهم الأئمة الأربعة. وحكى غير واحد عليه الإجماع، واحتج المخالفون بأربعة أحاديث الأول حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد وأبي يعلى، وصححه بعضهم قال

" طلق ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا فسأله النبي صلى الله عليه وسلم كيف طلقتها؟ قال ثلاثا في مجلس واحد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم " إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت فارتجعها "

قال مقيده - عفا الله عنه - الاستدلال بهذا الحديث مردود من ثلاثة أوجه. الأول أنه لا دليل فيه ألبتة على محل النزاع على فرض صحته، لا بدلالة المطابقة، ولا بدلالة التضمن، ولا بدلالة الالتزام. لأن لفظ المتن أن الطلقات الثلاث واقعة في مجلس واحد، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه كونها بلفظ واحد، فادعاء أنها لما كانت في مجلس واحد، لا بد أن تكون بلفظ واحد في غاية البطلان كما ترى. إذ لم يدل كونها في مجلس واحد، على كونها بلفظ واحد. بنقل، ولا عقل، ولا لغة كما لا يخفى على أحد. بل الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد، إذ لو كانت بلفظ واحد، لقال بلفظ واحد وترك ذكر المجلس. إذ لا داعي لترك الأخص والتعبير بالأعم بلا موجب كما ترى. وبالجملة فهذا الدليل يقدح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول بالقول بالموجب، فيقال سلمنا أنها في مجلس واحد، ولكن من أين لك أنها بلفظ واحد فافهم.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٧٥