وسترى تمام هذا المبحث إن شاء الله، في الكلام على حديث طاوس عند مسلم. الثاني أن داود بن الحصين الذي هو راوي هذا الحديث عن عكرمة ليس بثقة في عكرمة. قال ابن حجر في التقريب داود بن الحصين الموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة، ورمى برأي الخوارج اه. وإذا كان غير ثقة في عكرمة كان الحديث المذكور من رواية غير ثقة. مع أنا قدمنا أنه لو كان صحيحا لما كانت فيه حجة. الثالث ما ذكره ابن حجر في فتح الباري، فإنه قال فيه ما نصه الثالث أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته ألبتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي. لجواز أن يكون بعض رواته حمل ألبتة على الثلاث، فقال طلقها ثلاثا، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس اه منه بلفظه. يعني حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين المذكور عن عكرمة عن ابن عباس، مع أنا قدمنا أن الحديث لا دليل فيه أصلا على محل النزاع. وبما ذكرنا يظهر سقوط الاستدلال بحديث ابن إسحاق المذكور. الحديث الثاني من الأحاديث الأربعة التي استدل بها من جعل الثلاث واحدة هو ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر من أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثا فاحتسب بواحدة، ولا يخفى سقوط هذا الاستدلال، وأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدة، كما جاء في الروايات الصحيحة عند مسلم وغيره. وقال النووي في شرح مسلم ما نصه وأما حديث ابن عمر فالروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدة. وقال القرطبي في تفسيره ما نصه والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. قال عبد الله وكان تطليقه إياها في الحيض واحدة. غير أنه خالف السنة. وكذلك قال صالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية، وليث بن سعد، و ابن أبي ذئب، وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة. وكذا قال الزهري عن سالم عن أبيه، ويونس بن جبير والشعبي والحسن اه منه بلفظه. فسقوط الاستدلال بحديث ابن عمر في غاية الظهور. الحديث الثالث من أدلتهم هو ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال أخبرني بعض بني أبي رافع، مولى النبي صلى الله عليه وسلم. عن عكرمة، عن ابن عباس، قال
" طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم " فقالت ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها. ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي صلى الله عليه وسلم حمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد؟ وفلانا يشبه منه كذا وكذا؟ قالوا نعم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم طلقها. ففعل، فقال راجع امرأتك أم ركانة، فقال إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال قد علمت، راجعها، وتلا ﴿ يأيها النبي إذا طلقتم النسآء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة ﴾ الطلاق 1 ".
قال مقيده - عفا الله عنه - والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط. لأن ابن جريج قال أخبرني بعض بني أبي رافع وهي رواية عن مجهول لا يدري من هو؟ فسقوطها كما ترى. ولا شك أن حديث أبي داود المتقدم أولى بالقبول من هذا الذي لا خلاف في ضعفه. وقد تقدم أن ذلك فيه أنه طلقها ألبتة، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أحلفه ما أراد إلا واحدة، وهو دليل واضح على نفوذ الطلقات المجتمعة كما تقدم. الحديث الرابع هو ما أخرجه مسلم في صحيحه حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع واللفظ لابن رافع. قال إسحق أخبرنا وقال ابن رافع حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه، عن ابن عباس، قال كان الطلاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم فأمضاه عليهم، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا ابن جريج. وحدثنا ابن رافع واللفظ له، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن طاوس عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ فقال ابن عباس نعم. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن إبراهيم بن ميسرة. عن طاوس، أن أبا الصهباء قال لابن عباس هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر واحدة؟ فقال قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في الطلاق فأجازه عليهم، هذا لفظ مسلم في صحيحه. وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود ولكن لم يسم إبراهيم بن ميسرة. وقال بدله عن غير واحد، ولفظ المتن أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس يعني عمر قد تتابعوا فيها، قال أجيزوهن عليهم.