هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله
الفتح 25 فهو نص صريح في أن ذلك الهدي لم يبلغ محله، ولو كان في الحرم لكان بالغا محله، وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه، قال " لما حبس رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه نحروا بالحديبية، وبعث الله ريحا فحملت شعورهم فألقتها في الحرم " ، وعقده أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة الحديبية بقوله
ونحروا وحلقوا وحملت شعورهم لبيت ريح قد غلت
قال ابن عبد البر في الاستذكار فهذا يدل على أنهم نحروا في الحل، وتعقبه ابن حجر في فتح الباري بأنه يمكن أن يكونوا أرسلوا هديهم مع من ينحره في الحرم، قال وقد ورد في ذلك حديث ناجية بن جندب الأسلمي قال قلت يا رسول الله ابعث معي الهدي حتى أنحره في الحرم. أخرجه النسائي من طريق إسرائيل عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية، وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن إسرائيل، لكن قال عن ناجية عن أبيه لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصة أن أكثرهم نحر في مكانه، وكانوا في الحل، وذلك دال على الجواز، والله أعلم، انتهى كلام ابن حجر. وخالف في هذه المسالة ابو حنيفة - رحمه الله - الجمهور وقال لا ينحر المحصر هديه إلا في الحرم، فيلزمه أن يبعث به إلى الحرم، فإذا بلغ الهدي محله حل، وقال إن الموضع الذي نحر فيه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من الحديبية من طرف الحرم، واستدل بقوله بعد هذه الآية ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ البقرة 196، ورد هذا الاستدلال بما قدمنا من أنه نحر في الحل، وأن القرآن دل على ذلك، وأن قوله ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم ﴾ البقرة 196 الآية، معطوف على قوله ﴿ وأتموا الحج والعمرة لله ﴾ البقرة 196 لا على قوله ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ البقرة 196، أو أن المراد بمحله المحل الذي يجوز نحره فيه، وذلك بالنسبة إلى المحصر حيث أحصر، ولو كان في الحل. قال مقيده - عفا الله عنه- التحقيق في هذه المسالة هو التفصيل الذي ذهب إليه ابن عباس رضي الله عنهما، وهو أنه إن استطاع إرسال الهدي إلى الحرم أرسله ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله، إذ لا وجه لنحر الهدي في الحل مع تيسر الحرم، وإن كان لا يستطيع إرساله إلى الحرم نحره في المكان الذي أحصر فيه من الحل. قال البخاري في صحيحه في " باب من قال ليس على المحصر بدل " ما نصه وقال روح عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، رضي الله عنهما إنما البدل على من نقض حجة بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع.
وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله اه محل الغرض منه بلفظه، ولا ينبغي العدول عنه، لظهور وجهه كما ترى. الفرع الثاني إذا لم يكن مع المحصر هدي فهل عليه أن يشتري الهدي ولا يحل حتى يهدي، أو له أن يحل بدون هدي؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن الهدي واجب عليه لقوله تعالى ﴿ فإن احصرتم فما استيسر من الهدي ﴾ البقرة 196، فلا يجوز له التحلل بدونه إن قدر عليه، ووافق الجمهور أشهب من أصحاب مالك، وخالف مالك وابن القاسم الجمهور في هذه المسالة، فقالا لا هدي على المحصر إن لم يكن ساقه معه قبل الإحصار. وحجة الجمهور واضحة وهي قوله تعالى ﴿ فإن احصرتم فما استيسر من الهدي ﴾ البقرة 196، فتعليقه ما استيسر من الهدي على الإحصار تعليق الجزاء على شرطه، يدل على لزوم الهدي بالإحصار لمن أراد التحلل به، دلالة واضحة كما ترى، فإن عجز المحصر عن الهدي فهل يلزمه بدل عنه أو لا؟ قال بعض العلماء لا بدل له إن عجز عنه، وممن قال لا بدل لهدي المحصر أبو حنيفة - رحمه الله - فإن المحصر عنده إذا لم يجد هديا يبقى محرما حتى يجد هديا، أو يطوف بالبيت. وقال بعض من قال بأنه لا بدل له، إن لم يجد هديا حل بدونه، وإن تيسر له بعد ذلك هدي أهداه. وقال جماعة إن لم يجد الهدي فله بدل، واختلف أهل هذا القول في بدل الهدي. فقال بعضهم هو صوم عشرة أيام قياسا على من عجز عما استيسر من الهدي في التمتع، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، وهو إحدى الروايات عن الشافعي، وأصح الروايات عند الشافعية في بدل هدي المحصر أنه بالإطعام، نص عليه الشافعي في كتاب الوسط، فتقوم الشاة ويتصدق بقيمتها طعاما، فإن عجز صام عن كل مد يوما، وقيل إطعام كإطعام فدية الأذى وهو ثلاثة آصع لستة مساكين، وقيل بدله صوم ثلاثة ايام، وقيل بدله صوم بالتعديل، تقوم الشاة ويعرف قدر ما تساوي قيمتها من الأمداد، فيصوم عن كل يوم مدا، وليس على شيء من هذه الأقوال دليل واضح، وأقربها قياسه على التمتع، والله تعالى أعلم. الفرع الثالث هل يلزم المحصر إذا أراد التحلل حلق أو تقصير أو لا يلزمه شيء من ذلك؟ اختلف العلماء في هذا، فذهب الإمام أبو حنيفة - رحمه الله - ومحمد، إلى أنه لا حلق عليه ولا تقصير، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي.