تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واحتج أهل هذا القول بأن الله قال ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ البقرة 196، ولم يذكر الحلق ولو كان لازما لبينه. واحتج أبو حنيفة ومحمد لعدم لزوم الحلق، بأن الحلق لم يعرف كونه نسكا إلا بعد أداء الأفعال، وقبله جناية، فلا يؤمر به، ولهذا العبد والمراة إذا منعهما السيد والزوج لا يؤمران بالحلق إجماعا. وعن الشافعي في حلق المحصر روايتان مبنيتان على الخلاف في الحلق، هل هو نسك أو إطلاق من محظور؟ وذهب جماعة من أهل العلم منهم مالك وأصحابه إلى أن المحصر عليه أن يحلق، قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل هو ما ذهب إليه مالك وأصحابه من لزوم الحلق، لقوله تعالى ﴿ فإن احصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ البقرة 196. ولما ثبت في الأحاديث الصحيحة

" عنه صلى الله عليه وسلم، أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية، وهو محرم، وأمر أصحابه أن يحلقوا وقال " اللهم ارحم المحلقين. قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال اللهم ارحم المحلقين. قالوا والمقصرين يا رسول الله؟ قال والمقصرين ".

فهذه أدلة واضحة على عدم سقوط الحلق على المحصر، وقياس من قال بعدم اللزوم، الحلق على غيره من أفعال النسك التي صد عنها، ظاهر السقوط، لأن الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة مثلا، كل ذلك منع منه المحصر وصد عنه، فسقط عنه، لأنه حيل بينه وبينه، ومنع منه. وأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله فلا وجه لسقوطه، ولا شك أن الذي تدل نصوص الشرع على رجحانه، أن الحلاق نسك على من أتم نسكه، وعلى من فاته الحج وعلى المحصر بعدو، وعلى المحصر بمرض. وعلى القول الصحيح من أن الحلاق نسك، فالمحصر يتحلل بثلاثة اشياء وهي النية، وذبح الهدي، والحلاق. وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك يتحلل بالنية والذبح. الفرع الرابع قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نحر قبل أن يحلق في عمرة الحديبية، وفي حجة الوداع، ودل القرآن على أن النحر قبل الحلق في موضعين أحدهما قوله تعالى ﴿ ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ﴾ البقرة 196. والثاني قوله تعالى في سورة الحج

ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام

الحج 28 الآية. فالمراد بقوله

ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم

الحج 28 الآية، ذكر اسمه تعالى عند نحر البدن إجماعا، وقد قال تعالى بعده عاطفا ب ثم التي هي للترتيب

ثم ليقضوا تفثهم

الحج 29 الآية. وقضاء التفث يدخل فيه بلا نزاع إزالة الشعر بالحلق، فهو نص صريح في الأمر بتقديم النحر على الحلق، ومن إطلاق التفث على الشعر ونحوه، قول أمية بن أبي الصلت

حقوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا

روى بعضهم بيت أمية المذكور هكذا

ساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا وينزعوا عنهم قملا وصئبانا

ومنه قول الآخر

قضوا تفثا ونحبا ثم ساروا إلى نجد وما انتظروا عليا

فهذه النصوص تدل دلالة لا لبس فيها، على أن الحلق بعد النحر. ولكن إذا عكس الحاج أو المعتمر فحلق قبل أن ينحر، فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أن ذلك لا حرج فيه، والتعبير بنفي الحرج يدل بعمومه على سقوط الإثم والدم معا، وقيل فيمن حلق قبل أن ينحر محصرا كان أو غيره، إنه عليه دم، فقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش عن إبراهيم عن علقمة، قال عليه دم. قال إبراهيم وحدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله. ذكره في المحصر. قال الشوكاني في نيل الأوطار والظاهر عدم وجوب الدم لعدم الدليل. قال مقيده - عفا الله عنه- الظاهر أن الدليل عند من قال بذلك هو الأحاديث الواردة بأنه صلى الله عليه وسلم، لما صده المشركون عام الحديبية نحر قبل الحلق وأمر أصحابه بذلك، فمن ذلك ما رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن المسور، ومروان في حديث عمرة الحديبية والصلح أن النبي صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قضية الكتاب قال لأصحابه

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٧