ولا يعارض ما ذكرنا بما رواه الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن طريق أبي معشر وغيرهما، قالوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر، أو مات. وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهدوا الحديبية، وكانت عدتهم ألفين. لأن الشافعي - رحمه الله - قال والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت. لأنا علمنا من متواطئ أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضية، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال أه. فهذا الشافعي - رحمه الله - جزم بأنهم تخلف منهم رجال معروفون من غير ضرورة، في نفس، ولا مال. وقد تقرر في الأصول أن المثبت مقدم على النافي. وقال ابن حجر في الفتح ويمكن الجمع بين هذا إن صح، وبين الذي قبله، بأن الأمر كان على طريق الاستحباب. لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر. وقال الشافعي في عمرة القضاء إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة أه. وروى الواقدي نحو هذا من حديث ابن عمر قاله ابن حجر. وقال البخاري في صحيحه في الباب المذكور ما نصه " وقال روح عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله عنهما إنما البدل على من نقض حجة بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك، فإنه يحل ولا يرجع. انتهى محل الغرض منه بلفظه. وقد ورد عن ابن عباس نحو هذا بإسناد آخر أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وفيه فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه أه. فإذا علمت هذا وعلمت أن ابن عباس رضي الله عنهما ممن روى عنه عكرمة الحديث الذي روي عن الحجاج بن عمرو وأن راوي الحديث من أعلم الناس به، ولا سيما إن كان ابن عباس الذي دعا له النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه التأويل، وهو مصرح بأن معنى قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الحجاج بن عمرو وعليه حجة أخرى، محله فيما إذا كانت عليه حجة الإسلام، تعلم أن الجمع الأول الذي ذكرنا هو المتعين، واختاره النووي وغيره من علماء الشافعية، وأن الجمع الأخير لا يصح.
لتعين حمل الحجة المذكورة على حجة الإسلام أه. وأما على قول من قال إنه لا إحصار إلا بالعدو خاصة وأن المحصر بمرض لا يحل حتى يبرأ ويطوف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا، فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا، كما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر، كما تقدم. فهو من حيث إن المريض عندهم غير محصر، فهو كمن أحرم وفاته وقوف عرفة، يطوف ويسعى ويحج من قابل ويهدي، أو يصوم إن لم يجد هديا أه. وفي المسألة قول رابع وهو أنه لا إحصار بعد النبي صلى الله عليه وسلم بعذر، كائنا ما كان، وهو ضعيف جدا، ولا معول عليه عند العلماء. لأن حكم الإحصار منصوص عليه في القرآن والسنة، ولم يرد فيه نسخ، فادعاء دفعه بلا دليل واضح السقوط كما ترى، هذا هو خلاصة البحث في قوله تعالى ﴿ فإن أحصرتم ﴾ البقرة 196. وأما قوله ﴿ فما استيسر من الهدي ﴾ البقرة 196 فجمهور العلماء على أن المراد به شاة فما فوقها، وهو مذهب الأئمة الأربعة، وبه قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال طاوس، وعطاء، ومجاهد، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنخعي، و الحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. وقال جماعة من أهل العلم إن المراد بما استيسر من الهدي، إنما هو الإبل والبقر دون الغنم، وهذا القول مروي عن عائشة، وابن عمر، وسالم، و القاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وغيرهم. قال ابن كثير والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر. ففي الصحيحين عن جابر قال " أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بقرة ". قال مقيده - عفا الله عنه - لا يخفى أن التحقيق في هذه المسالة أن المراد بما استيسر من الهدي ما تيسر مما يسمى هديا، وذلك شامل لجميع الأنعام من إبل، وبقر، وغنم، فإن تيسرت شاة أجزأت، والناقة والبقرة أولى بالإجزاء. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت " أهدى صلى الله عليه وسلم مرة غنما ". فروع تتعلق بهذه المسالة الفرع الأول إذا كان مع المحصر هدي لزمه نحره إجماعا، وجمهور العلماء على أنه ينحره في المحل الذي حصر فيه، حلا كان أو حرما، وقد نحر صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالحديبية وجزم الشافعي وغيره بأن الموضع الذي نحروا فيه من الحديبية من الحل لا من الحرم، واستدل لذلك بدليل واضح من القرآن وهو قوله تعالى