تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت " دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير. فقال لها لعلك أردت الحج؟ قالت والله ما أجدني إلا وجعة. فقال لها " حجي واشترطي، وقولي اللهم محلي حيث حبستني "

وكانت تحت المقداد بن الأسود. وقد أخرج مسلم في صحيحه وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس رضي الله عنهما

" أن ضباعة بنت الزبير قالت يا رسول الله إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج، فكيف تأمرني أأهل؟ قال أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني، قال فأدركت ".

وللنسائي في رواية " وقال

" فإن لك على ربك ما استثنيت ".

القول الثالث في المراد بالإحصار أنه ما كان من المرض ونحوه خاصة، دون ما كان من العدو. وقد قدمنا أنه المنقول عن أكثر أهل اللغة، وإنما جاز التحلل من إحصار العدو عند من قال بهذا القول، لأنه من إلغاء الفارق وأخذ حكم المسكوت عنه من المنطوق به، فإحصار العدو عندهم ملحق بإحصار المرض بنفي الفارق. ولا يخفى سقوط هذا القول لما قدمنا من أن الآية الكريمة نزلت في إحصار العدو عام الحديبية، وأن صورة سبب النزول قطعية الدخول، كما عليه الجمهور وهو الحق.

قال مقيده - عفا الله عنه - الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، أن المراد بالإحصار في الآية إحصار العدو، وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل إلا بعمرة. لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية ودل عليه قوله تعالى ﴿ فإذآ أمنتم ﴾ البقرة 196 الآية. ولا سيما على قول من قال من العلماء إن الرخصة لا تتعدى محلها، وهو قول جماعة من أهل العلم. وأما حديث عكرمة الذي رواه عن الحجاج بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم، فلا تنهض به حجة. لتعين حمله على ما إذا اشترط ذلك عند الإحرام. بدليل ما قدمنا من حديث عائشة عند الشيخين، وحديث ابن عباس عند مسلم، وأصحاب السنن، وغيرهم، من أنه صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير ابن عبد المطلب

" حجي واشترطي "

ولو كان التحلل جائزا دون شرط كما يفهم من حديث الحجاج بن عمرو لما كان للاشتراط فائدة، وحديث عائشة وابن عباس بالاشتراط أصح من حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو، والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن، وإليه اشار في مراقي السعود بقوله

والجمع واجب متى ما أمكنا إلا فللأخير نسخ بينا

وهو ممكن في الحديثين بحمل حديث الحجاج بن عمرو على ما إذا اشترط ذلك في الإحرام، فيتفق مع الحديثين الثابتين في الصحيح، فإن قيل يمكن الجمع بين الأحاديث بغير هذا، وهو حمل أحاديث الاشتراط على أنه يحل من غير أن تلزمه حجة أخرى، وحمل حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو وغيره، على أنه يحل، وعليه حجة أخرى، ويدل لهذا الجمع أن أحاديث الاشتراط ليس فيها ذكر حجة أخرى. وحديث الحجاج بن عمرو، قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم

" فقد حل وعليه حجة أخرى ".

فالجواب أن وجوب البدل بحجة أخرى أو عمرة أخرى لو كان يلزم، لأمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يقضوا عمرتهم التي صدهم عنها المشركون. قال البخاري في صحيحه في باب " من قال ليس على المحصر بدل " ما نصه وقال مالك وغيره ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان، ولا قضاء عليه. لأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا، وحلوا من كل شيء قبل الطواف، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أحدا أن يقضوا شيئا، ولا يعودوا له، والحديبية خارج من الحرم. انتهى منه بلفظه. وقد قال مالك في الموطأ إنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رؤوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي، ثم لم يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أحدا من أصحابه ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا، ولا يعودوا لشيء انتهى بلفظه من الموطأ.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٥٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٥٤