تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

البقرة 195، وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة وقال الله تعالى

ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما

النساء 29، ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال. والثاني لا يلزمه، لما روي عن عبد الله بن حذافة السهمي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمرا ممزوجا بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته، فأخرجوه فقال قد كان الله أحله لي، لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام. ولأن إباحة الأكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص. ولأن له غرضا في اجتناب النجاسة والأخذ بالعزيمة، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه. وقد قدمنا أن أظهر القولين دليلا وجوب تناول ما يمسك الحياة. لأن الإنسان لا يجوز له إهلاك نفسه. والعلم عند الله تعالى. المسألة الرابعة هل يقدم المضطر الميتة أو مال الغير؟ اختلف العلماء في ذلك فذهب مالك إلى أنه يقدم مال الغير إن لم يخف أن يجعل سارقا ويحكم عليه بالقطع.

ففي موطئه ما نصه وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة، أيأكل منها و هو يجد ثمرا لقوم أو زرعا أو غنما بمكانه ذلك؟ قال مالك إن ظن أن أهل ذلك الثمر، أو الزرع، أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقا فتقطع يده، رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا، وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة. وإن هو خشي ألا يصدقوه، وأن يعد سارقا بما أصاب من ذلك. فإن أكل الميتة خير له عندي. وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة، مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد استجازة أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون اضطرار. قال مالك وهذا أحسن ما سمعت. أه. وقال ابن حبيب إن حضر صاحب المال فحق عليه أن يأذن له في الأكل. فإن منعه فجائز للذي خاف الموت أن يقاتله حتى يصل إلى أكل ما يرد نفسه. الباجي يريد أنه يدعوه أولا إلى أن يبيعه بثمن في ذمته، فإن أبى استطعمه، فإن أبى، أعلمه أنه يقاتله عليه. وقال خليل بن إسحق المالكي في مختصره الذي قال فيه مبينا لما به الفتوى عاطفا على ما يقدم المضطر على الميتة وطعام غير إن لم يخف القطع، وقاتل عليه. هذا هو حاصل المذهب المالكي في هذه المسألة. ومذهب الشافعي فيها هو ما ذكره النووي في شرح المهذب بقوله المسألة الخامسة إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير وهو غائب فثلاثة أوجه، وقيل ثلاثة أقوال أصحها يجب أكل الميتة، والثاني يجب أكل الطعام، والثالث يتخير بينهما. وأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي ولو كان صاحب الطعام حاضرا، فإن بذله بلا عوض أو بثمن مثله أو بزيادة يتغابن الناس بمثلها ومعه ثمنه أو رضي بذمته لزمه القبول، ولم يجز أكل الميتة، فإن لم يبعه إلا بزيادة كثيرة فالمذهب والذي قطع به العرافيون والطبريون وغيرهم أنه لا يلزمه شراؤه ولكن يستحب، وإذا لم يلزمه الشراء فهو كما إذا لم يبذله أصلا، وإذا لم يبذله لم يقاتله عليه المضطر إن خاف من المقاتلة على نفسه، أو خاف هلاك المالك في المقاتلة، بل يعدل إلى الميتة، وإن كان لا يخاف، لضعف المالك وسهولة دفعه، فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان غائبا، هذا كله تفريع على المذهب الصحيح. وقال البغوي يشتريه بالثمن الغالي، ولا يأكل الميتة ثم يجيء الخلاف السابق في أنه يلزمه المسمى أو ثمن المثل، قال وإذا لم يبذل أصلا وقلنا طعام الغير أولى من الميتة، يجوز أن يقاتله ويأخذه قهرا، والله أعلم.

وحاصل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة أنه يقدم الميتة على طعام الغير. قال الخرقي في مختصره ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه، أكل الميتة أه. وقال ابن قدامة في المغني في شرحه لهذا الكلام ما نصه، وبهذا قال سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم. وقال مالك إن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر، وشرب اللبن، وإن خاف أن تقطع يده أو لا يقبل منه أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان أحدهما يأكل الطعام وهو قول عبد الله بن دينار. لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة كما لو بذله له صاحبه. ولنا أن أكل الميتة منصوص عليه ومال الآدمي مجتهد فيه، والعدول إلى المنصوص عليه أولى. ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة، وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق. ولأن حق الآدمي تلزمه غرامته وحق الله لا عوض له. المسالة السادسة إذا كان المضطر إلى الميتة محرما وأمكنه الصيد فهل يقدم الميتة أو الصيد؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد - رحمهم الله - والشافعي في أصح القولين إلى أنه يقدم الميتة. وعن الشافعي - رحمه الله تعالى - قول بتقديم الصيد وهو مبني على القول بأن المحرم إن ذكى صيدا لم يكن ميتة. والصحيح أن ذكاة المحرم للصيد لغو ويكون ميتة، والميتة أخف من الصيد للمحرم. لأنه يشاركها في اسم الميتة ويزيد بحرمة الاصطياد، وحرمة القتل، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء الله في سورة المائدة. وممن قال بتقديم الصيد للمحرم على الميتة أبو يوسف، والحسن، والشعبي، واحتجوا بأن الصيد يجوز للمحرم عند الضرورة، ومع جوازه والقدرة عليه تنتفي الضرورة فلا تحل الميتة. واحتج الجمهور بأن حل أكل الميتة عند الضرورة منصوص عليه، وإباحة الصيد للضرورة مجتهد فيها، والمنصوص عليه أولى، فإن لم يجد المضطر إلا صيدا وهو محرم فله ذبحه وأكله، وله الشبع منه على التحقيق، لأنه بالضرورة وعدم وجود غيره صار مذكى ذكاة شرعية، طاهرا حلالا فليس بميتة، ولذا تجب ذكاته الشرعية، ولا يجوز قتله، والأكل منه بغير ذكاة. ولو وجد المضطر ميتة ولحم خنزير أو لحم إنسان ميت فالظاهر تقديم الميتة على الخنزير ولحم الأدمي. قال الباجي إن وجد المضطر ميتة وخنزيرا فالأظهر عندي أن يأكل الميتة. لأن الخنزير ميتة ولا يباح بوجه، وكذلك يقدم الصيد على الخنزير والإنسان على الظاهر، ولم يجز عند المالكية أكل الإنسان للضرورة مطلقا وقتل الإنسان الحي المعصوم الدم، لأكله عند الضرورة حرام إجماعا، سواء كان مسلما، أو ذميا.

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٤٧