تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رواه أبو داود. ويدل له أيضا حديث الفجيع العامري عنده أن النبي أذن له في الميتة مع أنه يغتبق ويصطبح، فدل على أخذ النفس حاجتها من القوت منها.

ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع منه كالمباح، ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال، فما كانت مستمرة كحالة الأعرابي الذي سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاز الشبع لأنه إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب، ولا يتمكن من البعد عن الميتة مخافة الضرورة المستقبلة ويفضي إلى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى تلفه، بخلاف التي ليست مستمرة، فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل، والله أعلم. انتهى من المغني بلفظه. وقال إمام الحرمين وليس معنى الشبع أن يمتلئ حتى لا يجد مساغا، ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطلق عليه اسم جائع أمسك أه. قاله النووي. المسألة الثانية حد الاضطرار المبيح لأكل الميتة، هو الخوف من الهلاك علما أو ظنا. قال الزرقاني في شرح قول مالك في الموطأ ما جاء فيمن يضطر إلى أكل الميتة أه. وحد الاضطرار أن يخاف على نفسه الهلاك علما أو ظنا، ولا يشترط أن يصير إلى حال يشرف معها على الموت، فإن الأكل عند ذلك لا يفيد. وقال النووي في شرح المهذب الثانية في حد الضرورة. قال أصحابنا لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي لتناول الميتة ونحوها، قالوا ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك. فإن الأكل حينئذ لا ينفع، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها لأنه غير مفيد، واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع أو ضعف عن المشي، أو عن الركوب، وينقطع عن رفقته ويضيع ونحو ذلك. فلو خاف حدوث مرض مخوف في جنسه فهو كخوف الموت، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين، وقيل إنهما قولان، ولو عيل صبره، وأجهده الجوع فهل يحل له الميتة ونحوها أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق؟ فيه قولان ذكرهما البغوي وغيره، أصحهما الحل. قال إمام الحرمين وغيره ولا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل، بل يكفى غلبة الظن. انتهى منه بلفظه. وقال ابن قدامة في المغني إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل، قال أحمد إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من الجوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك، ولا يتقيد ذلك بزمن محصور. وحد الاضطرار عند الحنفية هو أن يخاف الهلاك على نفسه أو على عضو من أعضائه يقينا كان أو ظنا، والله تعالى أعلم.

المسألة الثالثةهل يجب الأكل من الميتة ونحوها إن خاف الهلاك، أو يباح من غير وجوب؟ اختلف العلماء في ذلك، وأظهر القولين الوجوب. لقوله تعالى

ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة

البقرة 195 وقوله

ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما

النساء 29. ومن هنا قال جمع من أهل الأصول إن الرخصة قد تكون واجبة، كأكل الميتة عند خوف الهلاك لو لم يأكل منها، وهو الصحيح من مذهب مالك، وهو أحد الوجهين للشافعية، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة أيضا، وهو اختيار ابن حامد، وهذا هو مذهب أبي حنيفة - رحمهم الله - وقال مسروق من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات، دخل النار، إلا أن يعفو الله عنه. وقال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا، نقله القرطبي وغيره. وممن اختار عدم الوجوب ولو أدى عدم الأكل إلى الهلاك أبو إسحاق من الشافعية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة - رحمهم الله - وغيرهم، واحتجوا بأن له غرضا صحيحا في تركه وهو اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة. وقال ابن قدامة في المغني في وجه كل واحد من القولين ما نصه وهل يجب الأكل من الميتة على المضطر فيه وجهان أحدهما يجب، وهو قول مسروق، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي. قال الأثرم سئل أبو عبد الله عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل، فذكر قول مسروق من اضطر فلم يأكل ولم يشرب دخل النار. وهذا اختيار ابن حامد، وذلك لقول الله تعالى

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٤٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٤٦