تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن وجد إنسان معصوم ميتا فهل يجوز لحمه عند الضرورة، أو لا يجوز؟ منعه المالكية والحنابلة وأجازه الشافعية وبعض الحنفية. واحتج الحنابلة لمنعه. لحديث

" كسر عظم الميت ككسر عظم الحي "

واختار أبو الخطاب منهم جواز أكله، وقال لا حجة في الحديث ههنا. لأن الأكل من اللحم لا من العظم، والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة لا في مقدارها، بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص، ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت، قاله في المغني. ولو وجد المضطر آدميا غير معصوم كالحربي والمرتد، فله قتله والأكل منه عند الشافعية، وبه قال القاضي من الحنابلة، واحتجوا بأنه لا حرمة له، فهو بمنزلة السباع، والله تعالى أعلم. المسألة السابعة هل يجوز للمضطر أن يدفع ضرورته بشرب الخمر؟ فيه للعلماء أربعة اقوال الأول المنع مطلقا. الثاني الإباحة مطلقا. الثالث الإباحة في حالة الاضطرار إلى التداوي بها دون العطش. الرابع عكسه. وأصح هذه الأقوال عند الشافعية المنع مطلقا. قال مقيده - عفا الله عنه - الظاهر أن التداوي بالخمر لا يجوز، لما رواه مسلم في صحيحه من حديث وائل بن حجر رضي الله عنه

" أن النبي صلى الله عليه وسلم سأله طارق بن سويد الجعفي عن الخمر فنهاه أو كره أن يصنعها، فقال إنما أصنعها للدواء، فقال " إنه ليس بدواء ولكنه داء "

والظاهر إباحتها. لإساغة غصة خيف بها الهلاك. وعليه جل أهل العلم. والفرق بين إساغة الغصة وبين شربها للجوع أو العطش أن إزالتها للغصة معلومة وأنها لا يتيقن إزالتها للجوع أو العطش. قال الباجي وهل لمن يجوز له أكل الميتة أن يشرب لجوعه أو عطشه الخمر؟ قال مالك لا يشربها ولن تزيده إلا عطشا. وقال ابن القاسم يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل، وقاله ابن وهب. وقال ابن حبيب من غص بطعام وخاف على نفسه، فإن له أن يجوزه بالخمر، وقاله أبو الفرج. أما التداوي بها فمشهور المذهب أنه لا يحل. وإذا قلنا إنه لا يجوز التداوي بها ويجوز استعمالها لإساغة الغصة، فالفرق أن التداوي بها لا يتيقن به البرء من الجوع والعطش أه بنقل المواق في شرح قول خليل وخمر لغصة، وما نقلنا عن مالك من أن الخمر لا تزيد إلا عطشا نقل نحوه النووي عن الشافعي، قال وقد نقل الروياني أن الشافعي - رحمه الله - نص على المنع من شربها للعطش. معللا بأنها تجيع وتعطش. وقال القاضي أبو الطيب سألت من يعرف ذلك فقال الأمر كما قال الشافعي إنها تروي في الحال ثم تثير عطشا عظيما. وقال القاضي حسين في تعليقه قالت الأطباء الخمر تزيد في العطش وأهل الشرب يحرصون على الماء البارد، فحصل بما ذكرناه أنها لا تنفع في دفع العطش.

وحصل بالحديث الصحيح السابق في هذه المسالة أنها لا تنفع في الدواء فثبت تحريمها مطلقا والله تعالى أعلم. أه من شرح المهذب. وبه تعلم أن ما اختاره الغزالي وإمام الحرمين من الشافعية، والأبهري من المالكية، من جوازها للعطش خلاف الصواب وما ذكره إمام الحرمين والأبهري من أنها تنفع في العطش خلاف الصواب أيضا، والعلم عند الله تعالى. ومن مر ببستان لغيره فيه ثمار وزرع، أو بماشية فيها لبن، فإن كان مضطرا اضطرارا يبيح الميتة فله الأكل بقدر ما يرد جوعه إجماعا، ولا يجوز له حمل شيء منه وإن كان غير مضطر، فقد اختلف العلماء في جواز أكله منه. فقيل له أن يأكل في بطنه من غير أن يحمل منه شيئا، وقيل ليس له ذلك، وقيل بالفرق بين المحوط عليه فيمنع، وبين غيره فيجوز، وحجة من قال بالمنع مطلقا ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من عموم قوله

" إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا "

، وعموم قوله تعالى

لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٤٨