تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا تكرهوا فتياتكم على البغآء

النور 33، وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد، والعرب تقول خرج الرجل في بغاء إبل له، أي في طلبها، ومنه قول الشاعر

لا يمنعنك من بغا ء الخير تعقاد الرتائم إن الأشائم كالأيا من والأيامن كالأشائم

وذكر القرطبي عن مجاهد أن المراد بالاضطرار في هذه الآية الإكراه على أكل المحرم، كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى، وذكر أن المراد به عند الجمهور من العلماء المخمصة التي هي الجوع كما ذكرنا. وقد قدمنا أن آية

فمن اضطر في مخمصة

المائدة 3 مبينة لذلك، وحكم الإكراه على أكل ما ذكر يؤخذ من قوله تعالى

إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان

النحل 106 بطريق الأولى، وحديث

" إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ".

مسائل تتعلق بالاضطرار إلى أكل الميتة المسألة الأولى أجمع العلماء على أن المضطر له أن يأكل من الميتة ما يسد رمقه، ويمسك حياته، وأجمعوا أيضا على أنه يحرم عليه ما زاد على الشبع، واختلفوا في نفس الشبع هل له أن يشبع من الميتة أو ليس له مجاوزة ما يسد الرمق، ويأمن معه الموت. فذهب مالك - رحمه الله تعالى - إلى أن له أن يشبع من الميتة ويتزود منها، قال في موطئه إن أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة، أنه يأكل منها حتى يشبع، ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها.

قال ابن عبد البر حجة مالك أن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة، فإذا كانت حلالا له أكل منها ما شاء حتى يجد غيرها، فتحرم عليه. وذهب ابن الماجشون وابن حبيب من المالكية إلى أنه ليس له أن يأكل منها إلا قدر ما يسد الرمق ويمسك الحياة، وحجتهما أن الميتة لا تباح إلا عند الضرورة وإذا حصل سد الرمق انتفت الضرورة في الزائد على ذلك. وعلى قولهما درج خليل بن إسحاق المالكي في مختصره، حيث قال وللضرورة ما يسد غير آدمي. وقال ابن العربي ومحل هذا الخلاف بين المالكية فيما إذا كانت المخمصة نادرة، وأما إذا كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشيخ منها. ومذهب الشافعي على القولين المذكورين عن المالكية، وحجتهما في القولين كحجة المالكية فيهما، وقد بيناها. والقولان المذكوران مشهوران عند الشافعية. واختار المزني أنه لا يجاوز سد الرمق ورجحه القفال وكثيرون. وقال النووي إنه الصحيح. ورجح أبو علي الطبري في الإفصاح والروياني وغيرهما حل الشبع، قاله النووي أيضا. وفي المسألة قول ثالث للشافعية وهو أنه إن كان بعيدا من العمران حل الشبع وإلا فلا، وذكر إمام الحرمين والغزالي تفصيلا في المسألة، وهو أنه إن كان في بادية وخاف إن ترك الشبع ألا يقطعها ويهلك، وجب القطع بأنه يشبع، وإن كان في بلد وتوقع طعاما طاهرا قبل عود الضرورة وجب القطع بالاقتصار على سد الرمق، وإن كان لا يظهر حصول طعام طاهر وأمكن الحاجة إلى العود إلى أكل الميتة مرة بعد أخرى إن لم يجد الطاهر، فهذا محل الخلاف. قال النووي وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام والغزالي تفصيل حسن وهو الراجح. وعن الإمام أحمد - رحمه الله - في هذه المسالة روايتان أيضا. قال ابن قدامة في المغني وفي الشبع روايتان أظهرهما لا يباح، وهو قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي. قال الحسن يأكل قدر ما يقيمه. لأن الآية دلت على تحريم الميتة، واستثنى ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل كحالة الابتداء، ولأنه بعد سد الرمق غير مضطر، فلم يحل له الأكل للآية. يحققه أنه بعد سد رمقه كهو قبل أن يضطر، وثم لم يبح له الأكل كذا ههنا. والثانية يباح له الشبع. اختارها أبو بكر. لما روى جابر بن سمرة

" أن رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته أسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله؟ فقال حتى أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسأله فقال " هل عندك غنى يغنيك "؟ قال لا. قال " فكلوها ولم يفرق "

أضواء البيان في تفسير القرآن · الصفحة ٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

أضواء البيان في تفسير القرآنص ٤٥