تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38.23

قوله تعالى: ﴿ إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة ﴾؛ قال أحد الملكين: إن هذا أخي، أي على ديني له تسع وتسعون امرأة. والنعجة: البقرة الوحشية، والعرب تكني عن المرأة بها، وتشبه النساء بالنعاج من البقر، وإنما يعني بهذا داود؛ لأنه كان له تسع وتسعون امرأة، وهذا من أحسن التعريض، ويسمى تعريض التفهيم والتنبيه؛ لأنه لم يكن هناك نعاج.

وقوله تعالى: ﴿ ولي نعجة واحدة ﴾؛ أي امرأة واحدة، ﴿ فقال أكفلنيها ﴾؛ أي ضمها إلي واجعلني كبعلها أعولها. والمعنى: طلقها حتى أتزوجها، وقال ابن جبير: (معنى قوله: ﴿ أكفلنيها ﴾ أي تحول عنها)، ﴿ وعزني في الخطاب ﴾؛ أي غلبني، وقال الضحاك: (أي تكلم وكان أفصح مني، وإن عاداني كان أبطش مني)، وقال عطاء: (معناه أعز مني وأقوى على مخاطبتي لأنه كان الملك).

38.24-25

قوله تعالى: ﴿ قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ﴾؛ أي إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك بما كفلك من قوله عن امرأتك ليتزوجها هو. قوله تعالى: ﴿ وإن كثيرا من الخلطآء ليبغي بعضهم على بعض ﴾؛ معناه: وإن كثيرا من الشركاء ليظلم بعضهم بعضا، ظن داود أنهما شريكان. وقوله تعالى: ﴿ إلا الذين آمنوا ﴾؛ معناه: إلا الذين آمنوا ﴿ وعملوا الصالحات ﴾؛ فإنهم لا يظلمون أحدا، ﴿ وقليل ما هم ﴾؛ أي هم قليل، يعني الذين لا يظلمون.

قال السدي: (لما قال أحدهما: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة، قال داود عليه السلام للآخر: ما تقول؟ قال: نعم لي تسع وتسعون نعجة وله نعجة، وأنا أريد أن آخذها وأكمل نعاجي مائة، قال داود عليه السلام: وهو كاره؟ قال نعم وهو كاره، قال: إذا لا ندعك وإن رمت ذلك ضربنا منك هذا، وهذا يعني طرف الأنف، وأصله: الجبهة.

قال: يا داود أنت أحق أن يضرب مثل هذا، وهذا يعني طرف الأنف وأصله، حيث كان له تسع وتسعون امرأة ولم يكن لأوريا إلا امرأة واحدة، فلم تزل تعرضه للقتل حتى قتل وتزوجت امرأته. ثم صعدا إلى السماء، فعلم داود عليه السلام أن الله قد ابتلاه وامتحنه، فخر راكعا أي ساجدا وأناب. ورجع إلى طاعة الله تعالى بالتوبة والندامة.

ومعنى قوله تعالى: ﴿ وظن داوود أنما فتناه ﴾؛ أي وعلم داود أنا امتحناه بما قدرنا عليه من نظره إلى المرأة وافتتانه بها، وهذا قول بعض المفسرين، إلا أن هذا قول مردود، لا يظن بداود عليه السلام ضلالة، فهو أجل قدرة وأعظم منزلة، وكيف يظن بالأنبياء عليهم السلام أن يعرض المسلمين للقتل لتحصيل نسائهم لأنفسهم، ومن نسب الأنبياء عليهم السلام إلى هذا وصدق به فهو ممن لا يصلح لإيمانه بهم، ولئن يخطئ الإنسان في نفي الفواحش عنهم خير ممن يخطئ في إضافتها إليهم، وقد أمرنا في الشريعة بحمل أمور المسلمين على الصحة والسداد ما أمكن.

وعن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (ما زاد داود عليه السلام على أن قال لزوجها: تحول لي عنها). وعن علي رضي الله عنه أنه قال: (لئن سمعت أحدا يقول إن داود عليه السلام قارب من تلك المرأة سواء أو حدث بحديث داود عليه السلام على ما يرويه القصاص معتقدا صحته جلدته مائة وستين جلدة) يعني مثل حد قذف سائر الناس.

وقيل: إن ذنب داود عليه السلام أنه تمنى أن تكون له امرأة أوريا حلالا، وحدث نفسه بذلك، فاتفق غزو أوريا وتقدمه في الحرب وهلاكه، فلما بلغه قتله لم يجزع ولم يتوجع عليه كما يجزع على غيره من جنده إذا هلك، ثم تزوج امرأته فعاتبه الله على ذلك؛ لأن ذنوب الأنبياء وإن صغرت فهي عظيمة عند الله.

وقوله تعالى: ﴿ فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ﴾؛ أي خر ساجدا، وعبر عن السجود بالركوع لأن كليهما بمعنى الإنحناء، روي أنه مكث ساجدا أربعين ليلة حتى نبت العشب من دموعه على رأسه وأكلت الأرض جبينه، وكان يقول: رب زل داود زلة أبعد ما بين المشرق والمغرب، سبحان الملك الأعظم الذي يبتلي الخلق بما يشاء، سبحان خالق النور، إلهي تبكي الثكلى على ولدها إذا فقدته، وداود يبكي على خطيئته.

التفسير الكبير · الصفحة ١٦٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٦٦٣