تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلهي أنت خلقتني وفي سابق علمك ما أنا إليه صائر، سبحان خالق النور، إلهي الويل لداود إذا كشف الغطاء، فيقال: هذا داود الخاطئ، سبحان خالق النور، إلهي بأي عين أنظر إليك يوم القيامة، وإنما ينظر الظالمون من طرف خفي، وبأي قدم أقوم بها يوم تزل أقدام الخاطئين، سبحان خالق النور.

إلهي أنا الذي لا أطيق حر شمسك فكيف أطيق حر نارك؟ سبحان خالق النور، إلهي قرح الجبين وجمدت العينان من مخافة الحريق على جسدي، سبحان خالق النور، إلهي أنت المغيث وأنا المستغيث، إلهي أنت تعلم سريرتي وعلانيتي، فاقبل معذرتي، سبحان خالق النور، إلهي برحمتك اغفر لي ذنوبي ولا تباعدني من رحمتك فإن إليك رغبتي، سبحان خالق النور.

إلهي أعوذ بنور وجهك الكريم من ذنوبي التي أوبقتني، إلهي أعوذ بك من دعوة لا تستجاب، وصلاة لا تقبل، وذنب لا يغفر، سبحان خالق النور، إلهي فررت إليك بذنوبي واعترفت بخطيئتي فلا تجعلني من القانطين، ولا تخزني يوم الدين، سبحان خالق النور، إلهي قرح الجبين وفنيت الدموع وتناثر الدود من ركبتي وخطيئتي الزم بي من جلدي، سبحان خالق النور.

فأتاه نداء من السماء يا داود أجائع أنت فتطعم؟ أظمآن أنت؟ لتبقى مظلوم أنت فتنصر، ولم يجبه في ذكر خطيئته بشيء، فصاح صيحة فنودي: ارفع رأسك فقد غفرت لك، فلم يرفع رأسه حتى أتى جبريل فرفعه.

قال وهب: (لما نودي داود عليه السلام يا داود إني قد غفرت لك، قال: يا رب وكيف أنت لا تظلم أحدا؟ قال اذهب إلى قبر أوريا فناده وأنا أسمعه نداءك فتحلل منه، وانطلق حتى أتى قبره، وناداه يا أوريا فقال: لبيك من هذا الذي قطع علي لذتي؟ فقال أنا داود، فقال ما جاء بك يا نبي الله؟ قال: أسألك أن تجعلني في حل مما كان مني إليك، قال: وما كان منك إلي؟ قال: عرضتك للقتل، قال: إنما عرضتني للجنة، فأنت في حل.

فأوحى الله إليه: يا داود ألم تعلم إن حكمي عدل، ألا أعلمته أنك قد تزوجت امرأته. قال: فرجع فناداه: فقال: من هذا الذي قطع علي لذتي؟ فقال: أنا داود، قال: يا نبي الله أليس قد غفرت عنك؟ قال: بلى؛ ولكن إنما فعلت ذلك بك لمكان امرأتك، وقد تزوجتها فسكت فلم يجبه، فدعا فلم يجبه، ودعاه فلم يجبه، فقام عند قبره وجعل التراب على رأسه.

ثم نادى: الويل لداود ثم الويل الطويل لداود إذا نصبت الموازين القسط يوم القيامة، سبحان خالق النور، الويل ثم الويل لداود حين يؤخذ بذنبه، سبحان خالق النور، الويل لداود ثم الويل له حين يسحب على وجهه مع الخاطئين إلى النار، سبحان خالق النور.

فنودي يا داود قد غفرت لك ذنبك ورحمت بكاءك واستجبت دعاءك وأقلت عثرتك، فقال: يا رب تعفوني وصاحبي لم تعف عنه؟ قال: يا داود أعطيه يوم القيامة ما لم تر عيناه ولم تسمع أذناه، وأقول له: هذا عوض من عبدي داود، فاستوهبك منه فيهبك لي، قال: يا رب الآن قد عرفت أنك قد غفرت لي، فذلك قوله تعالى: ﴿ فغفرنا له ذلك وإن له عندنا ﴾؛ بعد المغفرة؛ ﴿ لزلفى وحسن مآب ﴾؛ أي لقربة ومكانة ومنزلة حسنة.

وعن مالك بن دينار في قوله تعالى: ﴿ وإن له عندنا لزلفى ﴾ قال: (يقول الله لداود وهو قائم بساق العرش: يا داود مجدني بصوتك الرخيم، فيقول: كيف وقد سلبتنيه في الدنيا؟ فيقول: إني أرده عليك، قال: فرفع داود صوته بالزبور فيستفرغ نعيم أهل الجنة وهو قوله ﴿ وحسن مآب ﴾ يعني الجنة التي هي مآب الأولياء والأنبياء).

وعن وهب بن منبه قال: (لما تاب الله على داود بكى على خطيئته ثلاثين سنة لا ترقى له دمعة ليلا ولا نهارا، وكان أصاب الذنب وهو ابن سبعين سنة، وكان يخرج إلى الفيافي فيبكي ويبكي معه الشجر والرمال والطير والوحش، ثم يجيء إلى الجبال فيرفع صوته بالبكاء فتبكي معه الحجارة والجبال والدواب، ثم يجيء إلى الساحل فيبكي وتبكي معه الحيتان ودواب البحر وطير الماء.

التفسير الكبير · الصفحة ١٦٦٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٦٦٤