24.34
قوله تعالى: ﴿ ولقد أنزلنآ إليكم آيات مبينات ﴾؛ أي أنزلنا إليكم القرآن آيات ظاهرات واضحات لتعملوا بها. وقيل: يعني بذلك ما ذكر في هذه السورة من الحلال والحرام. وقوله تعالى: ﴿ ومثلا من الذين خلوا من قبلكم ﴾؛ أي وأنزل فيها مثلا؛ أي خبرا من خبر الذين مضوا من قبلكم لتعتبروا، ﴿ وموعظة للمتقين ﴾؛ عن الشرك والفواحش.
24.35
قوله تعالى: ﴿ الله نور السموت والأرض ﴾؛ أي الله هادي أهل السماوات وأهل الأرض بالآيات المبينات، لا هادي فيهما غيره، فبنوره الخلق يهتدون، وبهداه من الضلالة ينجون، فلا يهتدي ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا بهداه.
وقال الضحاك: (معناه الله منور السماوات والأرض)، وقال مجاهد: (معناه: الله مدبر الأمور في السماوات والأرض)، وقال الحسن وأبو العالية: (الله مزين السماوات والأرض)، يعني مزين السماوات بالشمس والقمر والنجوم، ومزين الأرض بالأنبياء والعلماء والمؤمنين.
قوله تعالى: ﴿ مثل نوره ﴾؛ قال ابن عباس: (مثل نوره الذي أعطاه المؤمنين)، وقال السدي: (مثل نوره الذي في قلب المؤمن)، وكان أبي يقرأ (مثل نور المؤمنين). وقيل: كان يقرأ (مثل نور من آمن به).
قوله تعالى: ﴿ كمشكاة فيها مصباح ﴾؛ المشكاة في لغة الحبشة: كوة غير نافذة، والمصباح: هو السراج في القنديل من الزجاج الصافية. وقيل: المشكاة: عمود القنديل الذي فيه الفتيلة. وقال مجاهد: (هي القنديل)، قال الزجاج: (النور في الزجاج، وضوء النار أبين منه في كل شيء، وضوؤه يزيد في الزجاج ويتضاعف حتى يظهر منه ما يقابله مثله).
قوله تعالى: ﴿ فيها مصباح ﴾ أي سراج، وأصله من الضوء، ومن ذلك الصبح، ورجل صبيح الوجه إذا كان وضيئا، وفرق قوم بين المصباح والسراج؛ فقالوا: المصباح دون السراج، والسراج أعظم من المصباح؛ لأن الله تعالى سمى الشمس سراجا، وقال في غيرها من الكواكب
ولقد زينا السمآء الدنيا بمصبيح
[الملك: 5].
ثم وصف الله الزجاجة التي فيها المصباح؛ فقال: ﴿ المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري ﴾؛ شبه القنديل الذي يكون فيه السراج بالكوكب الدري؛ وهو النجم المضيء، ودراري النجوم كبارها، وقوله ﴿ دري ﴾ نسبة إلى أنه كالدر في صفائه وحسنه، كأن الكوكب درة بيضاء.
قرأ أبو عمرو والكسائي: (درئ) بكسر الدال مهموز ممدود؛ وهو فعيل من الدرء بمعنى الدفع، يقال: درء يدرأ إذا دفع، فكأنه تلألؤ يدفع أبصار الناظرين إليه. ويقال: كأنه رجم به الشياطين فدرأهم؛ أي دفعهم بسرعة في الانقضاض، وذلك أضوء ما يكون.
وقرأ حمزة وأبو بكر: مضمومة الدال مهموز ممدود، قال أكثر النحاة: هو لحن؛ لأنه ليس في كلام العرب، فقيل بضم الفاء وكسر العين، وأنكره الفراء والزجاج وأبو العباس، وقال: (هذا غلط؛ لأنه ليس في كلام العرب شيء على هذا الوزن). وقرأ الباقون بضم الدال وتشديد الياء من غير همز، فنسبوه إلى الدر في صفائه وبهائه.
قوله تعالى: ﴿ يوقد من شجرة مباركة زيتونة ﴾؛ فيه أربع قراءات، قرأ نافع وابن عامر: بياء مضمومة يعنون المصباح، وقرأ حمزة والكسائي وخلف: بتاء مضمومة يعنون الزجاجة، وقرأ أبو عمرو: (توقد) بالتاء وفتحها وفتح الواو مشددة بمعنى الماضي، وقرأ ابن محيصن: بتاء مفتوحة وتشديد القاف مثل قراءة أبي عمرو إلا أنه رفع الدال بمعنى الفعل المستقبل بمعنى: تتوقد الزجاجة.
قوله تعالى: ﴿ من شجرة مباركة ﴾ أي من زيت شجرة مباركة، فحذف المضاف؛ وأراد بالشجرة المباركة شجرة الزيتون، بورك لأهلها فيها، وليس في الشجر شيء يورق غصنه من أوله إلى آخره مثل الزيتون والرمان.
قوله تعالى: ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾؛ أي ليست تشرق عليها الشمس فقط من دون أن تغرب عليها، ولا غربية تغرب عليها فقط من دون أن تشرق عليها، بل هي شرقية غربية تأخذ حظها من الأمرين جميعا، لا يظلها جبل ولا شجر ولا كهف، نحو أن تكون على تل من الأرض تقع عليها الشمس في جميع النهار، وإذا كانت على هذه الصفة كان أنضر لها وأجود لزيتها وأتم لنبلتها وأنضج لثمرها. وقال الحسن: (أراد بهذا شجرة في الجنة؛ لأن أشجار الأرض لا تخلو إما أن تكون شرقية أو غربية).