تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وسميت شجرة الزيتون مباركة؛ لأنها كثيرة البركة والمنافع؛ لأن الزيت يسرج به وهو إدام ودهان، ويوقد بحطبها ويدبغ بها ويغسل برمادها الإبريسم. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:

" ائتدموا بالزيت وادهنوا به، فإنه يخرج من شجرة مباركة ".

قوله تعالى: ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ﴾؛ أي يكاد زيت هذه الشجرة ودهنها يتلألأ أو يشرق من وراء العصر من صفائه وإن لم تصبه نار؛ أي وإن لم يوقد بها، فكيف إذا استصبح بها.

قال المفسرون: هذا مثل للمؤمنين، فالمشكاة والمصباح هو الإيمان والقرآن، والزجاجة صدر المؤمن. ومعنى قوله تعالى ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ﴾ أي يكاد قلب المؤمن يعمل بالهدى وقبل أن يأتيه العلم، فإذا جاء العلم ازداد هدى على هدى. وقيل: المشكاة نفسه، والزجاجة صدره، والمصباح القرآن والإيمان في قلبه توقد من شجرة مباركة وهو الإخلاص.

قوله تعالى: ﴿ نور على نور ﴾؛ يريد به نور السراج ونور الزجاج ونور الدهن ونور الكوكب، فكما أن الزيت والزجاج والكوكب والسراج نور على نور في مشكاة لا يتفرق بشعاع السراج فيها، فكذلك الإيمان في قلب المؤمن من نور على نور، فإن المعرفة نور وعلمه نور، إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا قال صدق، وإذا حكم عدل، فهو يتقلب في الأنوار، ومصيره يوم القيامة إلى النور، كما قال تعالى

يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم

[الحديد: 12].

وقيل: هذا مثل ضربه الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: المشكاة صدره، والزجاجة قلبه، والمصباح فيه النبوة، توقد من شجرة مباركة وهي شجرة النبوة، يكاد نور محمد صلى الله عليه وسلم يضيء؛ أي يبين للناس ولو لم يتكلم به، كما يكاد ذلك الزيت يضيء ولو لم تمسسه نار.

وقال ابن عمر في هذه الآية: (المشكاة: جوف محمد صلى الله عليه وسلم، والزجاجة: قلبه، والمصباح: النور الذي جعله الله فيه، (توقد من شجرة مباركة) يعني بالشجرة إبراهيم الخليل عليه السلام، ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ أي لا يهودي ولا نصراني، ﴿ نور على نور ﴾ يعني النور الذي جعل في إبراهيم، والنور الذي جعل في محمد عليه السلام).

وقال محمد بن كعب: (المشكاة إبراهيم، والزجاجة إسماعيل، والمصباح محمد صلى الله عليه وسلم: سماه مصباحا كما سماه سراجا، فقال عز وجل

وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا

[الأحزاب: 46].

وقوله تعالى: ﴿ يوقد من شجرة مباركة ﴾؛ يعني إبراهيم، سماه مباركا؛ لأن أكثر الأنبياء كانوا من صلبه، ﴿ لا شرقية ولا غربية ﴾ يعني أن إبراهيم عليه السلام لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما.

وإنما قال كذلك لأن النصارى يصلون قبل المشرق، واليهود قبل المغرب، قوله ﴿ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ﴾ يعني تكاد محاسن محمد صلى الله عليه وسلم تظهر للناس قبل أن يوحى إليه، قوله تعالى: ﴿ نور على نور ﴾ أي نور نبي من نسل نبي).

وقال الضحاك: (يعني بالمشكاة عبدالمطلب شبهه بها، ويعني بالزجاجة عبدالله، وبالمصباح النبي صلى الله عليه وسلم، كان في صلبهما فورث النبوة من الشجرة المباركة وهي إبراهيم، توقد من شجرة مباركة، لا شرقية ولا غربية، بل هي مكة في وسط الدنيا).

ووصف بعض الفصحاء هذه الشجرة فقال: (هي شجرة الرضوان وشجرة الهدى والإيمان، أصلها نبوة؛ وفرعها مروءة؛ وأغصانها تنزيل؛ وورقها تأويل، وخدمها ميكال وجبريل).

وقيل: إنما شبه الله قلب المؤمن بالزجاجة؛ لأنها في الزجاجة يرى من خارجها، فكذلك ما في القلوب تبين على الظاهر في الأقوال والأعمال، فكما أن الزجاجة تنكسر بأدنى شيء، فكذلك القلب يفسد بأدنى آفة تحله.

وقوله تعالى: ﴿ يهدي الله لنوره من يشآء ﴾؛ أي يوفق الله للإسلام، ويدل بأدلته من يشاء ليعرفوا بذلك أمر دينهم. قوله تعالى: ﴿ ويضرب الله الأمثال للناس ﴾؛ أي يضرب الله الأشباه في القرآن تقريبا للشيء الذي أراده إلى الأفهام، وتسهيلا لسبيل الإدراك على الأنام، كما شبه المعرفة في قلب المؤمن بالمصباح في الزجاجة. قوله تعالى: ﴿ والله بكل شيء عليم ﴾؛ أي عليم بكل شيء من مصالح العباد.

التفسير الكبير · الصفحة ١٣٣٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التفسير الكبيرص ١٣٣٠