على آثار السلف.
فأنا قد قصرت في تأبينه لأجل هذا الكتاب، ولم أقل فيه: إنه من أنصار
السنة كما ذكرتم، وكان والحق يقال من أنصارها المشددين قولا وعملا، ليس له ند
في هذا القطر، وقلما يوجد في غيره، وأما تأويلات المتكلمين المخالفة للسلف فلا
يسلم منها أحد اعتمد في طلبه لعلوم الدين على كتب العقائد الرائجة في مصر وأكثر
الأمصار وكذا أكثر كتب التفسير وشروح الأحاديث التي ألفت بعد خير القرون،
ويظهر مما نقل لي منه ومما قرظ به أنه لم يطلع على ما كتبه حفاظ السنة وأقوال
الصحابة والتابعين وأقوال أئمة الحديث والفقه المتفق على جلالتهم حتى عند
المعتزلة لا عند الأشاعرة وحدهم كأئمة الفقه الأربعة على أن تأويلاتهم للنصوص
قلما يدحضها إلا كتب المحققين الذين جمعوا بين المعقول والمنقول، وكان أقواهم
حجة: شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم.
فأنا أشهد على نفسي أنني لم يطمئن قلبي لمذهب السلف إلا بقراءة كتبهما،
وأشهد أن ما يقوله بعض المقلدين للسلف من غير فهم ولا عقل قد يكون مثارا
للتشبيه وعذرا لأهل التأويل، كجمع بعضهم لجميع ما ورد في القرآن والأحاديث
حتى غير الصحيحة أو أكثره، وقولهم لمن يلقنونه إياها: يجب أن تؤمن بأن لله
تعالى وجها وعينين ويدين وأصابع وساقا وقدمين وأنه مستو على عرشه بذاته،
وأنه ينزل ويمشي ويهرول وينادي بصوت ويضحك ويرى كما يرى البدر إلخ وأن
كل هذه صفات له لا يجوز تفسير شيء منها بطريق مجاز لغوي ولا عقلي ولا
كناية؛ لأن هذا من التأويل الذي منعه السلف، وتكذيب لكلام الله وكلام رسوله.
وتجاه هؤلاء: أهل التأويل يشوهون نقل هذا عنهم بضم لوازمه إليه أو نقله
بمعناه عند المشوهين له، فقل لي: ما يفهم جمهور العوام والخواص من هذا الكلام؟
أليس التشبيه المحض، المنافي للتنزيه المحض، الذي يجزم به العقل، وقوله
تعالى: ﴿ليس كمثله شيء﴾ (الشورى: 11) ؟
ولو نقلوا كل ما ورد بلفظه في سياقه لما أثار ما يثيره سرد مفرداتها مجموعة
من التشبيه [1] ولو قالوا: يجب الإيمان به كما ورد مع تنزيه الرب تعالى واتقاء
التحكم في معناها بالرأي اتباعا للسلف لما كان لأحد من القائلين بالتأويل شبهة
يخطئهم بها - دع تكفيره لهم- إلا بعض أشرار المنافقين، ولكن سوء التعبير من
الجانبين وجعل لوازم المذهب مذهبا، وإن كان لازما غير بين وغير مراد هو الذي
ينفخ روح الشقاق والتفرق. السلف لم يجمعوها ويلقنوها للناس ولم يقولوا بمنع
المجاز والكناية في عباراتها وإن كانت متبادرة من العبارة، ويقتضيها أسلوب
البلاغة، فإن هذا من التحكم فيها بالرأي الممنوع عندهم، وإنما خلاصة هديهم فيها
أن نمرها كما وردت بغير تعطيل ولا تمثل ولا تأويل، فالمعطلة جعلوا الخالق رب
العالمين في حكم العدم بإنكارهم الصفات كلها والعلو المطلق، والممثلة أو المشبهة
جعلوه كعباده، صفاته كصفاتهم، والمؤولة تحكموا في صفاته برأيهم وأهوائهم،
ويلزم من تأويلهم أن بيانهم لها أصح من بيان كتابه وكلام رسوله صلى الله عليه
وسلم بل صرح بعضهم بأن من اعتقد بعض ظواهر القرآن كان كافرا، ومنهم
الشيخ يوسف الدجوي.
هذا وإن التفرق في أصول الدين بين سلفيين وخلفيين أو مفوضين ومؤولين
أو سنيين ومبتدعين، بحيث ينتهي بهم الخلاف إلى التكفير والحكم بالمروق من
الدين، مما يتبرأ منه أئمة السلف الأولين، الذين يقر بفضلهم وإمامتهم الفريقان.
فاختلاف الفهم للصفات والأفعال بين السلف والخلف لا يصح أن يفضي إلى
التكفير فإن الله تعالى لم يجعل صفاته فتنة لعباده المؤمنين به وبكتابه ورسوله
المهتدين بدينه فيجعل المخطئ بفهمه لضعفه كالمشرك به المكذب لرسوله، وللمحقق
ابن عقيل الحنبلي كلام نفيس في عذر العلماء بالخطأ في مثله يراجع في كتاب
(الآداب الشرعية) لابن مفلح فإن كان الشيخ محمود السبكي قد صرح في كتابه