معتقدين أن الاستقلال يضر بهم، ويمكن الهندوس منهم، فبينما هم في الظلمات
إذ قام فيهم تلك السنة صاحب الخطاب فصاح بأعلى صوته {اتبعون أهدكم سبيل
الرشاد} (غافر: 38) فأما الدين فقد دعا فيه إلى التوحيد الخالص والتمسك
بالكتاب والسنة ونبذ التقليد والبدع والخرافات، وتطهير الأعمال والعقائد من
المحدثات. قال: إن الدين ما كان عليه الرسول وأصحابه والسلف الصالح من أمته
لا ما قاله فلان وفلان، وإن القرآن مهيمن على الكتب السماوية والعلوم البشرية فلا
تشوهوا وجهه باليونانيات ولا بتخريفات المتفرنجين. ففتح باب الاجتهاد وفسر
القرآن بأسلوب بديع ونزهه عن كل الترهات. واستنبط منه ومن سنة الرسول كل
ما يحتاجه المسلمون في دينهم ودنياهم.
وأما السياسة فقد دعا فيها إلى الحرية التامة واستقلال البلاد والاتحاد مع أبناء
الوطن ومقاومة الأجانب المسيطرين بغير حق. فقامت عليه القيامة من كل جهة
وصوب المعارضون إليه نبالهم وبسطت الحكومة له شركها، ولكن لم توقفه
العراقيل في طريقه، ولا صدته الموانع عن عمله، فما زال يلقي الخطب الرنانة
ويحبر المقالات الحماسية ويقرع أسماعهم ببلاغته الشهيرة، ويوقظ قلوبهم بمواعظه
البالغة وينفخ في أجسادهم الميتة روح الدين والحرية حتى انتبهوا من رقدتهم وهبوا
من نومهم، وهرعوا إلى الداعي ملبين ومجيبين نداءه، وكل هذا في خلال بضع
سنوات المدة التي لا تكاد أن تصدق، وكانت لسان دعوته مجلة (الهلال)
الأسبوعية خالدة الذكر.
ويمكن تلخيص بعض مهمات دعوة الهلال الاجتماعية والسياسية في المواد
الآتية:
(1) أن العبودية سواء كانت للأجانب أو الغاصبين من الأمة نفسها لا
تجتمع مع الإسلام، وأن السعي للحرية والاستقلال وتحمل الشدائد والمصائب
والاغتباط بالموت في سبيله- كل ذلك واجب على المسلمين ووراثة ملية ورثوها
عن أجدادهم العظام فهم إما أن يعيشوا أحرارا أو يموتوا كراما، وليس بين هذا
وذاك من سبيل في الإسلام؛ لأن شريعته ما دامت لا تبيح استبداد الولاة من
المسلمين أنفسهم فكيف تبيح لهم أن يعيشوا خاضعين لظلم الأجانب واستبدادهم؟
والمسلم الذي يقنع ويرضى بهذه المعيشة لا ريب في حرمانه من روح الحياة
الإسلامية.
(2) على مسلمي الهند واجبان: إسلامي، ووطني. فالواجب الإسلامي
يطالبهم أن لا يحصروا نظرهم في حدود أرضهم؛ فإن جنسية الإسلام مطلقة من قيود
الوطن والنسل وشاملة لجميع المصطبغين بالصبغة الإسلامية حيثما وجدوا، ومن
أي أمة كانوا فيجب عليهم أن يعينوا إخوانهم المسلمين خارج الهند وينصروهم
ويخففوا مصائبهم عنهم، وأما الواجب الوطني فهو أن يتحدوا مع أبناء وطنهم
ويرخصوا نفوسهم في جهاد الحرية والاستقلال لبلادهم.
(3) أن الدول الغربية لا تهدد الإسلام والمسلمين فقط بل الشرق بأسره
فيجب على الأمم الشرقية أن تتحد وتتفق لصون حريتها وحياتها من الغرب.
(4) أن الدولة العثمانية هي البقية الباقية من الدول الإسلامية فيجب على
مسلمي العالم كلهم أن يساعدوها وينصروها ويرجحوا حقها وصيانتها على مقاصدهم
الوطنية؛ لأنها المركز المالي والسياسي لهم، ولا حياة للفروع بدون أصل.
(5) اللغة العربية هي اللغة الملية للمسلمين كافة والوسيلة الوحيدة للتعارف
والاتحاد بينهم، وإن من العلل الجوهرية للانحطاط الاجتماعي والديني: انقراض
الخلافة العربية وهجران اللغة العربية وشيوع العجمية والفلسفة اليونانية بينهم
فيجب عليهم إحياء اللغة العربية الصحيحة وتعلمها حتى تصبح عامة بينهم.
(وإني أريد أن أقول هاهنا كلمة في (المسألة العربية) فإن كثيرا من
إخواننا العرب يعتقدون أن مسلمي الهند يرجحون الترك عليهم ويكرهون استقلالهم
مع أن الأمر ليس كذلك، فهذا زعيم مسلمي الهند وقائدهم الأكبر ما زال يلح على
الدولة أن تمنح الولايات العربية الحكم الإداري، فقد صرح به في جميع مذكراته التي