تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(أحدها) إقامة حكومة الشورى الإسلامية كما شرعها الله لتكون حجة على

البشر أجمعين كما تقدم.

(ثانيها) إعادة مدنية الإسلام بالعلوم والفنون والصناعات التي عليها مدار

القوة والعمران، تلك المدنية الجامعة بين نعم الدنيا المادية، وبين الفضائل الدينية

الروحية، التي تحل عقد جميع المشكلات الاجتماعية.

(ثالثها) الإصلاح الديني بإزالة الخرافات والبدع وإحياء السنن وجمع الكلمة

وشد أواخي الأخوة الإسلامية وسائر الفضائل الإنسانية، وليس في حكومة الحجاز

استعداد لهذه المقاصد العالية، ولا يرجى أن يرضى البيت الحاكم بالوسائل العلمية

والعملية التي يتوقف عليها هذا الإصلاح العظيم.

(10) أن الحجاز فاقد لما تتوقف عليه إقامة الخلافة من الشوكة والثروة

فهو لا قوام له بنفسه، فكيف يقوم بأعباء هذا المنصب العظيم؟ ولا يرضى أحد من

مسلمي العرب المجاورين له أن يتبعوا حكومته الاستبدادية الضعيفة، فكيف يرضى

بذلك غيرهم؟ .

24- إقامة الخلافة في بلاد الترك وموانعها ومرجحاتها:

لجعل الخلافة الصحيحة في بلاد الترك موانع ترجع إلى أمرين كليين:

(أحدهما) وهو أهمهما ما يخشى من امتناع أكثر الزعماء العسكريين

والسياسيين منه لما فيه من توحيد السلطة العامة في شخص الخليفة، وما تتوقف

عليه الخلافة من إحياء اللغة العربية في بلاد الترك، وفروع ذلك وأسبابه معروفه.

(وثانيهما) معارضة الأمة العربية ولا سيما في الجزيرة وما يتبعها، ولكن

المعارضة لا تكون مؤثرة وثابتة إلا إذا جعلت الخلافة صورية كما كانت. أو

روحية كما هي الآن. ولعلهم لولا إرادة جعلها مصلحة دعاية (بوربغندة) للدولة

التركية لما اختاروا لها الآستانة، مدينة الفخفخة الباطلة والعظمة الزائلة التي

صارت طرفا في البلاد الإسلامية ومهددة بحرا وبرا. فإذا كانت لا تصلح أن تكون

عاصمة للدولة التركية فلن تصلح للخلافة الإسلامية بالأولى.

وأما إذا قبل أولو الأمر من الترك أن يحيوا منصب الخلافة الحق فالرجاء في

تحقيق أغراضها ومقاصدها الثلاثة يكون أتم وأسرع وتقوم بها الحجة على العرب

إلا إذا اجتمعت كلمة أمراء الجزيرة على مبايعة واحد منهم؛ وذلك غير منتظر لما

تقدم بسطه فيكون الرجحان لمن يؤيده الترك بالأسباب الآتية:

(1) أن الترك الآن في موقف وسط بين جمود التقاليد وطموح التفرنج:

جمود عرب الجزيرة الذي جعل الدين مانعا من العلوم والفنون التي ترقى بها

حضارة الأمة وثروتها، وعزة الدولة وقوتها. وطموح التفرنج الذي يراد به انتزاع

مقومات الأمة الإسلامية الدينية والتاريخية ومشخصاتها، واستبدال مقومات أمة

أخرى ومشخصاتها بها. وحضارة الإسلام وحكومة الخلافة هي وسط بين الجمود

وبين حضارة الإفرنج المادية التي تفتك بها ميكروبات الفساد وأوبئة الهلاك، فهي

عرضة للزوال، فكيف حال من يقلدها تقليدا تأباه طبيعة أمته وعقائدها.

(2) أن ما ظهر من عزم الحكومة التركية الجديدة وحزمها وشجاعتها وعلو

همتها وإقدامها - يضمن بفضل الله تعالى نجاحها في إقامة هذا الإصلاح الإسلامي بل

الإنساني الأعظم بإقامة حكومة الخلافة الجامعة بين القوة المادية والفضائل الإنسانية

المغنية للبشر عن خطر البلشفية والفوضوية؛ لأنها كافلة لكل ما تطلبه الاشتراكية

المعتدلة من الإنصاف والانتصاف من أثرة أرباب رءوس الأموال. وهي بهذه

الصفات أقدر على اتقاء كيد أعداء الإسلام الذين يقاومون الخلافة جهد طاقتهم.

(3) أن الدولة التركية الجديدة هي الدولة الإسلامية التي برعت في فنون

الحرب الحديثة، ويرجى إذا نجحت فيما تعنى به من الأخذ بوسائل الثروة

والعمران أن تمكنها مواردها من الاستغناء عن جلب الأسلحة وغيرها من أدوات

الحرب بصنعها في بلادها فتزداد قوة على حفظ حكومتها وبلادها، وتكون قدوة

لجيرانها وأستاذا لهم.

(4) أن جعل مقام الخليفة في بلاد الترك أو كفالتهم له يقوي هداية الدين

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٥١