تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إلا إذا تيسر أخذ البلاد وأنفق على الإصلاح فيها ملايين كثيرة نقدا لأجل الربح

نسيئة، وإنما يطمعون في الاستيلاء عليها باصطناع أمرائها وكبرائها بالدسائس

والدراهم، والتدخل فيها بحيل التجارة والامتيازات الاقتصادية بالتدريج، وقد بذلوا

في هذا السبيل أموالا عظيمة، ولا يزالون يبذلون ولم يستفيدوا به شيئا ثابتا يوازيه

ولا قدروا أن يصطنعوا به أحدا من أولئك الأمراء إلا ملك الحجاز وأولاده، ولن

يستطيع هؤلاء بعد اليوم أن يعملوا لهم شيئا؛ لأن الأمة العربية قد عرفت كنه

جنايتهم عليها، فدوام استمساك الدولة البريطانية بهم لا يزيدها ويزيدهم إلا مقتا عند

العرب وعند سائر المسلمين.

بل نقول: إنه ليس من أصول السياسة البريطانية الفتح بالقوة العسكرية مطلقا،

ولم تكن الدولة العثمانية هي المانعة للإنجليز من فتح هذه البلاد قبل اليوم، فإن

الدولة لم تكن تستطيع إرسال جيش إليها إلا من طريق البحر، ومتى كان لها

أسطول يقارب أحد الأساطيل البريطانية فيتمكن من إرسال الجند والذخيرة إلى

اليمن وحماية سواحلها وسائر سواحل الدولة من الإنجليز إذا وقعت الحرب بينهما؟

ولماذا لم تحم مصر أو تخرجهم منها؟

وأما كون أهل جزيرة العرب لا يستطيعون الجهاد بقصد الفتح كالترك وهو ما

فضل به الترك بعض الباحثين معنا في المسألة فيقال فيه: إن من فضل الله على

جزيرة العرب أنه ليس فيها شعوب أجنبية مختلفة في الجنس أو الدين يتحاكون

بالعرب فيغرونها بفتح بلادهم، وأن الترك لا يرون شيئا أسلم لهم في بلادهم من

إخراج الشعوب المخالفة لهم في الجنس والدين ليستريحوا من هذا التحاك وغوائله،

ولن يقدموا على قتال أحد من جيرانهم لأجل فتح بلاده- وقد كانت حروبهم في

القرون الأخيرة كلها دفاعا للمعتدين أو مقاومة للثائرين، ولم يكن شيء منها لأجل

سعة الملك ولا لأجل نشر الدين، وهم أحوج الناس إلى الاستراحة من القتال

والانصراف إلى عمران بلادهم وما يتوقف عليه من العلوم والفنون، والطامعون

في سعة الملك منهم إنما يطمعون في ضم الشعوب الإسلامية الشرقية إليهم التي

يمكنهم أن يجنسوها بجنسيتهم اللغوية كالكرد والجركس والتتار وسائر شعوب

الجنس الطوراني. وأما الدعوة إلى الإسلام من غير قتال فالعرب أقدر عليها من

الترك وهم دعاة بالطبع، وقد أسلم الملايين من سكان إفريقيا وجزائر المحيط

الجنوبي بدعوة تجار العرب والدراويش السائحين منهم، وحرية الاعتقاد في أكثر

حكومات هذا العصر تغني خليفة المسلمين عن القتال لحماية الدعوة وحرية الدين

كما كان عليه خلفاء العرب من الأولين.

إننا على علمنا بما ذكر كله نود أن يتعاون الترك والعرب على إحياء منصب

الخلافة، وسنذكر ما يمتاز به الترك على العرب في هذا المقام؛ ليعلم أن كلا من

الشعبين عاجز بانفراده قوي بأخيه على النهوض بأعباء هذا الإصلاح العظيم،

الجدير بأن يغير نظام العالم وينقذ الشرق والغرب من الهلاك. وما نقترحه من

وسائل التعاون والاتفاق خاصة بما سيتقرر من الخلافة الصحيحة الدائمة مع

السكوت عن التعدد المعروف في الحال الحاضرة في الشعبين، وذلك بأن يكون

الذين يعلمون ويربون ليرشحوا للانتخاب الشرعي بالشورى من بيوتات شرفاء

قريش وسادتها، وأن تكفل الدولة التركية هذا الاستعداد وتشرف على جميع شئونه

حتى لا يكون للتنافس فيه بين الشعبين أدنى مجال، بل حتى يكون إحياء هذا المنصب

من أكبر أسباب الاتحاد والتعاون بينهما، وإذا شاء الترك حينئذ أن يكون مقام الخليفة

في بلادهم، فعلى حزب الإصلاح أن يقنع العرب بذلك، وإن كنا نرى أن الأجدر

بالقبول الآن أن يكون في منطقة وسطى بين بلاد الشعبين، على ما سنفصله بعد.

والقسمة في مسألة مقام الخليفة ثلاثية، وهي إما أن يكون في بلاد العرب،

أو الحجاز خاصة، وإما في بلاد الترك أو الآستانة خاصة، وإما في منطقة وسطى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ٢٤ · الصفحة ٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ٢٤ · ص ٤٩