ومؤاخذته ولو بالعزل، إذا خالف نصوص الشرع أو خرج عن جادة العدل، بل
هذه المراقبة على الوزراء والأمراء والقواد والقضاة واجبة على إمام المسلمين وهو
مقيد فيها، وفيما يترتب عليها بنصوص الشرع وبمشاورة أهل الحل والعقد، لا
مستبد في الأمر.
إذا ظل المسلمون على هذه الحالة فلا إمامة ولا إمام، وقد أني لهم أن
يفقهوا أن جعل ما سموه أحكام الضرورة في خلافة التغلب أصلا ثابتا دائما هو
الذي هدم بناء الإمامة، وذهب بسلطة الأمة المعبر عنها بالجماعة، وترتب
عليه تفرق الكلمة، وضعف الدين والدولة، وظهور البدع على السنة. وقد انقلب
الوضع وعم الجهل، حتى صار الألوف من كبراء حكام المسلمين وقوادهم وزعمائهم
في دنياهم يظنون في هذا العصر أن منصب الخلافة وغيره من أحكام الإسلام هي
سبب ضعف المسلمين وأنه لا تقوم لهم بها قائمة، ولا يكونون مع التزامها أمة
عزيزة غنية! والأمر بالضد.
والعلاج الشافي من هذا الداء، والدواء المستأصل لهذا الوباء، هو إحياء
منصب الإمامة، بإعادة سلطة أهل الحل والعقد المعبر عنهم بالجماعة لإقامة
الحكومة الإسلامية الصحيحة، التي هي خير حكومة يصلح بها أمر المسلمين بل
أمر سائر البشر، بجمعها بين العدل والمساواة وحفظ المصالح ومنع المفاسد والأمر
بالمعروف والنهي عن المنكر، وكفالة القاصرين والعاجزين، وكفاية الفقراء
والمساكين من صدقات المسلمين، ففيها علاج لجميع المفاسد الاجتماعية، في
حكومات المدنية المادية، التي ألجأت الجماعات الكثيرة إلى البلشفية والفوضوية.
فإذا أقيم بناء حكومة منظمة على هذه الأسس والقواعد لا تلبث بعد ظهور
أمرها أن تكون قدوة للأمم الحرة التي أمرها بيدها، ولا يستطيع أكابر مجرميها
أن يمكروا بعد ذلك فيها، ليصدوها عنها ويغووها. وحينئذ ينجز الله وعده لنا، كما
أنجزه لمن قبلنا، في قوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات
ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم} (النور: 55) .
فالواجب على حزب الإصلاح الذي نقترحه أن يوجه كل قصده وهمه أولا إلى
بيان شكل لحكومة الخلافة الإسلامية الأعلى بالنظام اللائق بهذا العصر الذي امتاز
بالنظام على سائر العصور، ثم يحاول إقناع أصحاب النفوذ في البلاد الإسلامية
المرجوة لتنفيذه بما فيه من المصالح والمنافع والسعادة، وبتفضيله على جميع أنواع
الحكومات في العالم كله، وبإمكان تنفيذه، ودفع كل ما للمتفرنجين واليائسين من
الشبهات على ذلك، وكل ذلك سهل كما جربنا بأنفسنا.
22 - علاقة الخلافة بالعرب والترك:
ثم ليعلم هذا الحزب أن الفوز في هذا يتوقف على التأليف والتوحيد بين
العرب والترك واتفاقهما عليه - ولو بالجملة - ومراعاة ما قوي في هذا العصر من
العصبية الجنسية مع اتقاء ضررها بقدر الاستطاعة، وكذا عصبية المذهب عند
طائفة الزيدية؛ لا لأن جمع الكلمة ووحدة الأمة من أهم ما يجب من أعمال الخليفة
فقط؛ بل لأن النجاح المطلوب في هذا الأمر يتوقف على تعاون الشعبين عليه.
ذلك أن إحياء منصب الخلافة الصحيحة يتوقف على إحياء الدين والشريعة،
وإنما يكون هذا بالعلم الاستقلالي في الدين المعبر عنه بالاجتهاد المطلق، وهو
يتوقف على إتقان اللغة العربية لأجل فهم الكتاب والسنة، فعلاقة هذا المنصب بلغة
العرب وبتاريخ العرب وببلاد العرب جلي ظاهر، فثم مهبط الوحي، ومظهر
الإسلام الحق، حيث قبلته ومشاعر دينه، وموضع إقامة الركن الاجتماعي العام من
أركانه، ولا يمكن أن يماري في هذا من يماري في اشتراط النسب القرشي فيها
خلافا لمذاهب السنة كلها أو العلوي الفاطمي خلافا لمذاهب الشيعة وخاصة الزيدية.
العرب قوة عظيمة للخلافة، ولكنها غير منظمة ولا متحدة كقوة الترك،
والعمل بالشريعة في حكومات جزيرة العرب المستقلة وأهلها أتم وأكمل منه في بلاد