لماذا؟ لأننا نجد أن الماء العذب يأتي من أعلى. ونجد دائما منابع الأنهار عالية وتصب في البحر. والحق لم يجعل منسوب الماء المالح أعلى من منسوب الماء العذب، حتى لا يطغى الماء المالح على الماء العذب، لأنه سبحانه يريد أن يرتوي الناس من الظمأ بالماء، ويريد للزرع أن ينمو، وأن يتجه الفائض من الماء العذب إلى مخزن الماء سواء في بطن الأرض أو في البحار، وتأتي من بعد ذلك عملية التبخير فيتصاعد الماء بخارا ليصير سحابا، ثم يمطر من بعد ذلك ماء عذبا. والقدر الذي خلقه الله من الماء أزلا، هو. هو، لا يزيد ولا ينقص. فالإنسان إذا كان قد شرب أطنانا من الماء طوال حياته، فهل ظلت تلك الأطنان في جسد الإنسان أو أن تلك الأطنان قد خرجت في فضلات الإنسان؟ إن الإنسان لا يختزن إلا الموجود فيه الآن من الماء. والجسم الإنساني به حوالي تسعين بالمائة من مكوناته من الماء، وبعد ذلك يموت الإنسان فيتبخر منه الماء وتنزل بقية العناصر للأرض. إذن فكمية المياه واحدة، ولكنها تخضع لدورة أرادها الله. وبعد ذلك يقول الحق:
أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفآء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون
[النمل: 62]. ومعنى المضطر هو الإنسان الذي استنفد أسباب بشريته ولم يدرك ما يحفظ به حياته ولذلك يقول الحق:
وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قآئما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنآ إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون
[يونس: 12]. وكذلك يقول الحق في موضع آخر بالقرآن الكريم:
وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا
[الإسراء: 67]. ذلك أنه عندما يصاب الإنسان بحادث جسيم، فهو لا يكذب على نفسه، حتى الكافر بالله عندما يجد أن كل الأسباب المادية التي أمامه لا تنفعه فهو يلجأ ويعترف بأن هناك إلها واحدا خالقا. فيقول: يا رب. إذن فالحق سبحانه وتعالى يقول:
أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفآء الأرض أإله مع الله قليلا ما تذكرون * أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون * أمن يبدأ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السمآء والأرض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين
[النمل: 62-64]. كل هذه الآيات تؤكد قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيات لأولي الألباب ﴾ [آل عمران: 190]. إنها ظواهر كونية. واختلاف الليل والنهار يعني أن هناك شيئا آخر أو يأتي بعد شيء آخر. إذن فاختلاف الليل والنهار له معنيان: فمجيء الليل بعد النهار يعني اختلافهما أي كل منهما خليفة للآخر.
والزمن يمثل ذلك. واختلاف آخر يتمثل في أن النهار منير، والليل مظلم، والنهار محل حركة، والليل محل سكون. فاختلاف الليل والنهار ليس آية فقط ولكنه آيات لكثيرين. وكأن الحق سبحانه وتعالى يوضح لنا: أن الفرد أعجز من أن يستنبط كل ما في الآيات، ولكن على كل واحد منكم أنتم البشر أن يستنبط آية، وكل إنسان يستنبط آية ينتفع بها هو وغيره من الناس وهكذا. إنها آيات يتوزع استنباطها على الخلق الذين يملكون البصيرة والأخذ بأسباب الله ليشيع الحق الاستنباط من أسرار الله لكل خلق الله المؤمنين إلى أن تقوم الساعة، ولبين لنا أصحاب العقول الحقيقية التي لا تنشغل بالنعمة عن المنعم بالنعمة لأن لله إمدادا حين خلق من عدم، وإمدادا حين أمد من عدم، وإمدادا آخر حينما يلقى على نعمته شيئا من البركة، فالذي أخذ نعمة الله التي سبقت وجوده، وبعد ذلك غفل عن الحق سبحانه وتعالى فإن النعمة تعطيه، لكنها لا تكون مصحوبة بالبركة. ومعنى البركة أن يكون الشيء الحاصل والمستنبط من حركتك لا يأتي منه لك ولا للناس إلا الخير. فقد يعطيك الله بالأسباب والمسببات. لكن الله لا يعطيكم البركة إذا أخذت النعمة وتركت المنعم. فلو أنك عند كل شيء ذكرت الله لأخذت النعمة والبركة. فحين ترى لك شيئا تحبه عليك أن تقول: