تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلاقة الإنسان بالعمل الصالح أو بالذنوب فالإنسان إذا ما أتى ذنبا، فربما يكون قد نفس عن نفسه بارتكاب الذنب، لكن بعد ما تهدأ شرة المعصية يجب عليه أن ينتبه فيندم ولا يفرح. هذه أول مرحلة. ولا يتمادى في ارتكاب الذنب، أما إذا تمادى وخلع على فعله النقيض وادعى أنه قد أتى فعلا حسنا حتى يناله مدح بدلا من أن يناله ذم فذلك ذنب مركب، ويحشره الله ضمن من قال فيهم: ﴿ فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ﴾ [آل عمران: 188]. والمفازة هي المكان الذي يظن الإنسان أن فيه نجاته، أي أن في هذا المكان فوزا له، ويطلقون كلمة " مفازة " على الصحراء إطلاقا تفاؤليا، لا يسمونها " مهلكة " لأن الذي كان يجوبها يهلك فسموها " مفازة " تفاؤلا بأن الذي يسلكها يفوز، أو أن الصحراء أرض مكشوفة، وما دام الإنسان قد وصل إلى أرض مكشوفة فلن يصادف ما يخافه من حيوانات شرسة أو من وافدات ضارة كالحيات، أو من عدو راصد، وفي ذلك فوز له، لأنه تجنب هذه المخاطر، إنه إن سار في الجبال والوديان فمن الممكن أن تستر عنه الوحوش المفترسة أو الهوام أو تستر عنه الذين يتتبعونه فلا يتوقاهم وقد يصيبونه بالأذى، فإذا ما ذهب إلى الأرض المكشوفة نجا من كل هذا لأنه ينأى ويبتعد عنهم، وتكون التسمية على حقيقتها، ومن يرى أن الصحراء مهلكة فليعرف أنها سميت " مفازة " تفاؤلا، كما يسمون اللديغ الذي لدغه الثعبان ب " السليم ". ونحن في أعرافنا العادية نتفاءل فنضع للشيء اسما ضد مسماه تفاؤلا بالاسم، مثال ذلك: إذا كنت في ضيافة إنسان وقدم شرابا. قهوة مثلا، وبعد أن نشرب القهوة يأتي الخادم فيقول من قدم لك القهوة لخادمه: تعال " خذ المملوء " ولا يقول: " خذ الفارغ " وهذا لون من التفاؤل. ﴿ فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم ﴾ [آل عمران: 188] هم يظنون أنهم بمفازة من العذاب برغم أنهم لا يؤمنون بالحق، ولا يؤمنون بسيطرة الحق على كل أحوالهم وكل أمورهم فهم يظنون أن انتصارهم في معركة الدنيا لا هزيمة بعده، ولكن الحق بعد هذه الآية قال: ﴿ ولله ملك السماوات... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٣٢