تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لكن لا بد أن نمدحه كي يعمل بما فيه من غريزة حب الثناء فنكون قد زدنا من عدد طاقات العاملين. ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما عرض لهذه القضية، وهي قضية تزكية الصالح وتجريم الطالح الفاسد في قصة " ذي القرنين " يقول تعالى:

ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلوا عليكم منه ذكرا * إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا

[الكهف: 83-84]. كي تعلم أن الممكن لا يمكن بذاته وإنما هو ممكن بمن مكنه، فلو كان عنده تفكير إيماني، لما أغرته الأسباب أن يتمرد لأن الإيمان يعلمه أن الأسباب ليست ذاتية. ومن أجل أن يثبت الله أن الأسباب غير ذاتية فهو ينزع الملك ممن يشاء، ويهب الملك من يشاء، نقول له: لو كان الأسباب ذاتية فتمسك بها، لكن الأسباب هبة من الله " وآتيناه من كل شيء سببا " وحين يأتيه الله الأسباب فالأسباب أنواع: سبب مباشر للفعل، وسبب متقدم على السبب المباشر، فأنت إذا ارتديت ثوبا جميلا، فوراء ذلك أنك أتيت بالقماش الذي نسجه النساج، والنساج استطاع إتقان عمله بعد أن قام الغزال بغزل القطن، والقطن نتج لأن فلاحا بذر البذور ورعى الأرض بالحرث والري. فأنت إن نظرت إلى الأسباب المباشرة المتلاحقة فانظر إلى نهاية الأسباب، وستصل إلى شيء لا سبب له إلا المسبب الأعلى وهو الله - جلت قدرته -. وسلسل أي شيء في الوجود ستجد أنك أخيرا أمام سبب خلقه الله مثال ذلك النور الكهربائي الذي تتمتع أنت به. ستجد أن المعمل قام بصنع الزجاج الخاص بالمصابيح الكهربائية، ونوع من المصانع يصنع الأسلاك الموجودة بالمصباح، وستنتهي إلى شيء موجود لا يوجد فيه بشر، فتصل إلى الحق سبحانه وتعالى. أنت مثلا جالس على الكرسي. وقد تقول: لقد صنعه النجار والنجار جاء بالخشب من البائع، والبائع جاء بالخشب من الغابة، فمن أين جاء الخشب إلى الغابة؟ تقول: لا أعرف، أما إذا كان عندك الحس الإيماني فأنت تقول: أوجده الله. وحين تنتهي الأسباب وسلسلتها نجد الله الخالق

إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سببا * فأتبع سببا

[الكهف: 84-85] فعندما أعطاه الله الأسباب جاء هو بالوسائط فقط، إذن فالأصل كله من الله. ويتابع الحق:

حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة

[الكهف: 86] هذا في عين الناظر فقط، فأنت حين تركب البحر ثم ترى الشمس عند الغروب تغطس في البحر، وعندما تذهب للمنطقة التي غطست الشمس فيها تجد الشمس موجودة لأنها لا تغيب أبدا، إنما " تغرب في عين حمئة " أي فوجد الشمس في نظره عند غروبها عنه كأنها تغرب في مكان به عين ذات ماء حار وطين أسود.

ويتابع الحق:

ووجد عندها قوما قلنا يذا القرنين إمآ أن تعذب وإمآ أن تتخذ فيهم حسنا

[الكهف: 86]. والناس تفهم أن هذا تخيير، يعني إما أن تعذبهم، وإما تحسن إلى من كنت تعذبهم، لكن الدقة والتمعن يوضحان لنا أن الحق قد أعطى تفويضا لذي القرنين، بقوله: " إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا " ففهم ذو القرنين عن الله التفويض، ولم يأخذ التفويض وافترى، بل قال: " أما من ظلم فسوف نعذبه " وليس هذا هو العذاب الذي يستحقه، لا، نحن سنعذبه في دنيانا كي لا يستشري فيها الشر. وفوق ذلك سيعذبه الله عذابا آخر.

أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا

[الكهف: 87] إنه أولا لم يصف عذابه بنكر، إنما وصف عذاب الله فقال: " فيعذبه عذابا نكرا " ، لأن عذاب البشر للبشر على قدر البشر، لكن عذاب الله يتناسب مع قدرة الله، فهل لنا طاقة بهذا العذاب والعياذ بالله؟ ليس لنا طاقة به، وماذا عن موقف ذي القرنين من الذي آمن؟ إنه موقف مختلف. يقول الحق:

وأما من آمن وعمل صالحا فله جزآء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا

[الكهف: 88] هو يجازيه بالحسنى ويعطيه المكافآت ويكرمه، وعندما يتساءل من يحب الثناء قائلا: لماذا كرم هذا؟ ويرى أسباب التكريم فيقول لنفسه لأصنعن مثله كي أكرم. ولذلك تجد الشباب يتهافت حتى على اللعب بكرة القدم لماذا؟ لأنهم يجدون من يضع هدفا في كرة القدم يكرم، فيقول: أنا أريد أن أضع هدفا. هذا وإن ديننا الحنيف يدعونا إلى أن نشكر من قدم خيرا أو أسدى معروفا حفزا للهمم وتشجيعا لبذل الطاقات وفي الأثر: " من لم يشكر الناس لم يشكر الله " إذن فحب الثناء من طبيعة الإنسان، ولكي تغري الناس بأن يعملوا لا بد أن تأتي لهم بأعمال تستوعب طاقاتهم المتعددة، أما إذا اقتصر إتقان العمل على من لا يحبون الثناء، فسنقلل الأيدي التي تفعل، ولذلك تجد العمل حيث توجد المكافأة التشجيعية التي يأخذها من يستحقها ويقابلها من التجريم والعقوبة لمن يهمل في عمله، فلا يمنح رئيس عمل مكافأة لمن عملوا على هواهم، بل عليه أن يمنحها لمن أدى عمله بإتقان. وحين يعلم الناس أنه لا يجازي بالخير ولا يكرم بالقول إلا من فعل فعلا حقيقيا فالكل يفعل فعلا حقيقيا، لكن عندما تجد الناس أن المكافآت لا يأخذها أحد إلا بالتزلف وبالنفاق وبالأشياء غير المشروعة فسيفعلون ذلك، وهكذا تأتي الخيبة. وهكذا تجد أن قوله الحق: ﴿ لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ﴾ [آل عمران: 188]. إن هذا القول يضع أساسا ودستورا إيمانيا لمطلق الحياة، وعلاقة الحاكم بالمحكومين وعلاقة الفرد بنفسه وبمن حوله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٣١