تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنما يتقبل الله من المتقين

[المائدة: 27]. إذن فالذي يتقبل الله منه القربان هو الذي سيقتل. والذي يملأه الغيظ هو من لم يتقبل الله قربانه، وهو الذي سوف يقتل. فماذا قال صاحب القربان المقبول:

لئن بسطت إلي يدك لتقتلني مآ أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين

[المائدة: 28]. إذن فهذا أهل لأن يتقبل الله قربانه، لأنه متيقظ الضمير بمنهج السماء، وهذه حيثية لتقبل القربان. وحتى لا نظن أن الآخر " قابيل " كله شر لمجرد أن الشهوة سيطرت عليه، لكن الحق يظهر لنا أن فيه بعض الخير، ودليل ذلك قول الحق:

فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين

[المائدة: 30]. وهذا القول يدل على أنه تردد، فلا يقال: " طوعت الماء " ، ولكن يقال " طوعت الحديد " ، فكأن الإيمان كان يعارض النفس، إلا أن النفس قد غلبت وطوعت له قتل أخيه. وعندما قتل قابيل أخاه وهدأت شرة الغضب وسعار الانتقام، رأى أخاه ملقى في العراء:

فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه قال ياويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوءة أخي فأصبح من النادمين

[المائدة: 31]. وعلى هذا النسق قال اليهود: إن الله أوصانا ألا نؤمن برسول إلا بعد أن يأتي بمعجزة من المحسات.

لماذا قالوا ذلك؟. قالوا ذلك لأن معجزة رسول الله الكبرى وهي القرآن الكريم لم تكن من ناحية المحسات وانتهى عهد الإعجاز بالمحسات فقط، فرسولنا له معجزات حسية كثيرة، ونظرا لأن هذه ينتهي إعجازها بانقضائها فكان القرآن الكريم هو المعجزة الخالدة وهو الذي يناسب الرسالة الخاتمة، فهم طلبوا أن تكون المعجزة بالمحسات حتى يصنعوا لأنفسهم شبه عذر في أنهم لم يؤمنوا، فقالوا ما أورده القرآن: ﴿ الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا ﴾ [آل عمران: 183].. إلخ. وعلمنا الحق في هذه الآية أن القربان تأكله النار، ومن هذا نستنبط كيف تقبل الله قربان هابيل ولم يتقبل قربان قابيل، لكي نفهم أن القرآن لا يوجد به أمر مكرر. والحق سبحانه يرينا ردوده الإلهية المقنعة الممتعة: ﴿ قل قد جآءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم ﴾ [آل عمران: 183].. إلخ الآية. لقد جاءكم رسل قبل رسول الله بالقربان وأكلته النار ومع ذلك كفرتم. فلو كان كلامكم أيها اليهود صحيحا، لكنتم آمنتم بالرسل الذين جاءوكم بالقربان الذي أكلته النار. وهكذا يكشف لنا الحق أنهم يكذبون على أنفسهم ويكذبون على رسول الله، وأنها مجرد " مماحكات " ولجاج وتماد في المنازعة والخصومة. والحق سبحانه يأمر رسوله أن يسأل: ﴿ فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين ﴾ [آل عمران: 183]؟ هو سبحانه يريد أن يضع لنا قضية توضح أن عهد المعجزات الحسية وحدها قد انتهى، ورشد الإنسانية وبلوغ العقل مرتبة الكمال قد بدأ لذلك أتى سبحانه بآية عقلية لتظل مع المنهج إلى أن تقوم الساعة. ولو كانت الآية حسية لاقتصرت على المعاصر الذي شهدها وتركت من يأتي بعده بغير معجزة ولا برهان. أما مجيء المعجزة عقلية فيستطيع أي واحد مؤمن في عصرنا أن يقول: سيدنا محمد رسول الله وتلك معجزته. ولكن لو كانت المعجزة حسية وكانت قربانا تأكله النار، فما الذي يصير إليه المؤمن ويستند إليه من بعد ذلك العصر؟ إن الحق يريد أن يعلمنا أن الذي يأتي بالآيات هو سبحانه، وسبحانه لا يأتي بالآيات على وفق أمزجة البشر، ولكنه يأتي بالآيات التي تثبت الدليل لذلك فليس للبشر أن يقترحوا الآية. هو سبحانه الذي يأتي بالآية، وفيها الدليل. لماذا؟ لأن البعض قد قال للرسول:

وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا * أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا * أو تسقط السمآء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا * أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السمآء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٢٢