تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرآئك ينظرون * هل ثوب الكفار ما كانوا يفعلون

[المطففين: 34-36]. فالحق سبحانه يسأل المؤمنين يوم القيامة: هل قدرنا أن نجازي الكفار والمنافقين الذين سخروا منكم؟ فيقولون: نعم يارب العالمين قد جوزوا وأثيبوا على فعلهم أوفى الجزاء وأتمه وأكمله. إن سخرية المنافقين والكافرين من المؤمنين لها أمد دنيوي ينقضي، ولكن السخرية في الآخرة لا تنقضي أبدا. وعندما نقيسها نحن المؤمنين، نجد أننا الفائزون الرابحون إن شاء الله. فلو ترك أي منافق ليتداخل في أحضان المؤمنين، ولا يظهر ذلك للمؤمنين لكانت المسألة صعبة العلاج، ولهذا يقول الحق للرسول صلى الله عليه وسلم:

ولو نشآء لأريناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم

[محمد: 30]. والحق لا يكتفي بذلك، لكنه يكشف لنا واقع المنافقين بتجارب معملية حتى لا يقول واحد منهم: لست منافقا. وعندما يظهر الله المنافق ويكشفه بحادثة مدوية فعليه، ومخجلة تبين أنه منافق، فيكون قد وصم بالنفاق، لأن كثيرا من الناس الذين يظلون طوال عمرهم ينافقون اعتمادا على أنهم مسلمون في الظاهر لا يتركهم الله، بل لا بد أن يأتي الله لهم بخاطر من الخواطر ويقعوا في فخ اكتشاف المؤمنين لهم حتى يعرفهم المؤمنون ويقيموهم على حقيقتهم، فسبحانه وتعالى القائل: ﴿ ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب ﴾ [آل عمران: 179]. وكلمة " يذر " تعني " يترك " أو " يدع ". والدارسون للنحو يعرفون أن هناك فعلين هما " يذر " و " يدع " ، أهملت العرب الفعل الماضي لهما، فهذان الفعلان ليس لهما فعل ماض.

ونستخدمهما في صيغة المضارع. والحق سبحانه لم يكن ليدع المؤمنين على ما هم عليه من الاختلاط واندساس المنافقين بينهم وعدم معرفة المؤمنين للمنافقين لذلك يميز ويظهر الخبيث من الطيب. فلا يكتفي بإخبار النبي بأمر الخبثاء فقط، ولكنه يكشف الخبثاء بفعل واقعي. فيقول: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ﴾ [آل عمران: 179] لأن الله لو أطلعكم على الغيب لتعرفوا المنافقين لأنكروا أنفسهم منكم وستروها عنكم، ولذلك يجري سبحانه الوقائع لتكشف الخبيث من الطيب، وبعد ذلك يوصم المنافق بالنفاق بإقرار نفسه وإقرار فعله. ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشآء ﴾ [آل عمران: 179]. إنه جل وعلا يختار من رسله من يشاء ليطلعهم على بعض الغيب حتى يزدادوا ثقة في أن الله لا يتخلى عنهم، أي يعطي للرسول دلالات على المنافقين، حتى يزداد الرسول ثقة في أن الله لا يتخلى عنه. والله برحمته لا يكشف الغيب لكل المؤمنين، فلو اطلع المؤمن على الغيب لفسدت أمور كثيرة في الكون. وهب أن الله أطلع الإنسان على غيب حياته، فعرف الإنسان ألف حادثة سارة ثم حادثة واحدة مكدرة فإن كدر الإنسان بالحادثة الواحدة المكدرة التي تقع بعد عشرين عاما يفسد على الإنسان تنعمه بالأحداث السارة. وإن كان الإنسان يريد أن يطلع على غيب الناس فهل يقبل أن يطلع على غيبه أحد؟ فلماذا تريد أيها الإنسان أن تعرف غيب غيرك؟ أيرضى أي واحد منا أن يعرف الناس غيبه؟ لا. إذن فستر المعلومات عن الناس وجعلها غيبا هي نعمة كبرى. ومع ذلك فالناس تلح أن تعرف الغيب. ونرى من يجري على الدجالين والعرافين ومن يدعون كذبا أنهم أولياء لله، وكل ذلك من أجل أن يعرف الواحد بعضا من الغيب. وهنا نقول: ليست مهارة العارف في أن يقول لك ماذا سيحدث لك في المستقبل، لكنها في أن يقول واحد من هؤلاء المدعين لمعرفة الغيب: إن حادثا مكروها سيقع لك، وسأمنعه أو أدفعه بعيدا عنك. لا أحد يستطيع دفع قدر الله ولذلك فلنترك المستقبل إلى أن يقع. لماذا؟ حتى لا يحيا الواحد منا في الهم والحزن قبل أن يقع. إذن فقول الحق: ﴿ وما كان الله ليطلعكم على الغيب ﴾ [آل عمران: 179] هو سنة من الله لأن نظام الملك ينتظم بها ويحتاج إليها. فكل إنسان له هزات مع نفسه، وقد تأتي له فترة يضعف فيها في شيء من الأشياء، فإذا ما عرف الغير منطقة الضعف في إنسان ما، وعرف هذا الإنسان منطقة الضعف في أخيه، فلسوف يبدو كل الناس في نظر بعضهم بعضا ضعافا.. ومن فضل الله أن أخفى غيب الناس عن الناس. وجعل الله إنسانا ما قويا فيما لا نعلم، وذلك قويا فيما لا نعلم، وبذلك تسير حركة الحياة بانتظامها الذي أراده الله.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨١٢