تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتجلدي للشامتين أريهمو

إني لريب الدهر لا أتضعضع

فالتجلد هو نوع من الكبرياء على الواقع. ولذلك يأتي من بعد ذلك قوله الحق إن لأمثال هؤلاء عذابا مهينا، أي إنهم سيذوقون الذل والألم، ولا أحد فيهم يستطيع التجلد. وهذا النوع من العذاب لا يقف فقط عند حدود الألم العادي، ولكنه عذاب عظيم في كميته وقدره، وأليم في وقعه. ومهين في إذلال ودك النفس البشرية وغرورها: لذلك فعندما نجد أن العذاب الذي أعده الله للكافرين موصوف بأنه " عذاب أليم " ومرة " عذاب عظيم " ومرة " عذاب مهين " فلنعرف أن لكل واحدة معنى، فليست المسألة عبارات تقال هكذا بدون معنى مقصود. وأريد أن أقف هنا في هذا الحديث عند " لام العاقبة " لأن البعض يحاول أن يخلق منها إشكالات، إن هؤلاء المتربصين لكلام الله يحاولون النيل منه، وهم لا يبحثون إلا فيما يتوهمون - جهلا - أنه نقاط ضعف، وهو سبحانه وتعالى يقول عن الكفار والعياذ بالله وهم في النار:

ربنآ أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون * قال اخسئوا فيها ولا تكلمون * إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنآ آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين * فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون

[المؤمنون: 107-110]. لقد انشغل الكفار بالسخرية من أهل الإيمان بإشارات أو لمز وغمز أو اتهام بالرجعية أو الدروشة أو مثل ذلك من ألوان السخرية، لدرجة أنهم نسوا مسألة الإيمان، فما الذي أنساهم ذكر الله؟ لقد أنساهم ذكر الله انشغالهم بالسخرية من أهل الإيمان.

لقد قضى الكفار وقتهم كله للسخرية من أهل الإيمان حتى نسوا ولم يتذكروا أن هناك خالقا للكون. وهذا ما يسمى " غاية العاقبة " وليست غاية وعلة للإرادة، لأنهم لم يريدوا نسيان ذكر الله ولكن أمرهم انتهى إلى ذلك. وسيعذب الله الكافرين عذابا أليما وعظيما ومهينا. ولكل وصف مراده في النص حتى يستوعب كل حالات الإهانة من إيلام، فالذي لا يألم بشيء صغير ولا يتحمل الألم القوي سيجد الألم الكبير، وكذلك الذي يتجلد على الألم العظيم، سيجد الألم المهين. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٠٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٠٩