تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأوحينآ إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين

[القصص: 7]. ونحن لا بد أن نتنبه إلى قول الحق: " فألقيه في اليم " والإنسان العادي لو قال لامرأة تحمل رضيعها: إن خفت على ابنك فألقيه في البحر. هذه المرأة لن تصدق هذا القائل، لكن أم موسى تلقت هذا الوحي من الله، والتلقي من الله لا يصادمه فكر شيطان ولا فكر بشر، فالإلهام من الله يتجلى في قوله: " وأوحينا إلى أم موسى ". وما دام الله هو الذي ألهمها، فإن خاطر الشيطان لا يجيء. ولذلك قامت أم موسى بتنفيذ أمر الله. ويطمئنها الله فقال لها:

ولا تخافي ولا تحزني إنا رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين

[القصص: 7]. وينبه سبحانه أم موسى أنه لن يرده إليها لمجرد أنه قرة عين، ولكن لأن لموسى أيضا مهمة مع الله. وفي لقطة أخرى يقول الحق عن مسألة الوحي لأم موسى:

إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني

[طه: 38-39]. والحق هنا في هذه اللقطة يصف وقت تنفيذ العملية التي أوحى بها، ففيه فرق بين التمهيد للعملية قبل أن تقع كما حدث في اللقطة السابقة حيث قال لها الحق:

فإذا خفت عليه فألقيه في اليم

[القصص: 7]. كان ذلك هو الإعداد، ثم جاء وقت التنفيذ، فقال الحق لموسى:

إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى

[طه: 38]. إنها سلسلة من الأوامر المتلاحقة التي تدل على أن هذه العملية كانت في وقت أخذ جنود فرعون لأطفال بني إسرائيل ليقتلوهم، إنه سبحانه يبين لنا أن جنود الله من الجمادات التي لا تعي تلقت الأمر الإلهي بأن تصون موسى، فكلمة " اقذفيه " تدل على السرعة، وتلقي " اليم " الأمر من الله بأن موسى عندما يلقى في البحر، فلا بد أن يلقيه إلى الساحل.

إذ أوحينآ إلى أمك ما يوحى * أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل

[طه: 38-39] إنها أوامر للمسخر من المخلوقات التي لا تعصي. لكن كيف تكون أوامر الحق لعدو لله؟ إن الله يدخلها كخاطر ملح في رأس فرعون لينفذ مراد الله. إن امرأة فرعون تقول له ما جاء في قوله تعالى:

وقالت امرأة فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون

[القصص: 9]. لقد دخل أمر الله كخاطر، والتقطه آل فرعون لا ليكون قرة عين لامرأة فرعون، ولكن لأمر مختلف أراده الله. فهل ساعة الالتقاط كان في بالهم أن يكون موسى عدوا أو قرة عين؟ إنها " لام العاقبة " التي تتضح في قوله:

ليكون لهم عدوا وحزنا

[القصص: 8]. فالإنسان يكون في مراده شيء، ولكن القدرة الأعلى من الإنسان - وهو الله - تريد شيئا آخر. الإنسان في تخطيطه أن يقوم بالعملية لكذا، ولكن القوة الأعلى من الإنسان تريد العملية لهدف آخر، وهي التي أوحت للإنسان أن يقوم بهذه العملية. ويتجلى ذلك بوضوح في العلة لالتقاط آل فرعون لموسى. كان فرعون يريده قرة عين له، ولكن الله أراده أن يكون عدوا لفرعون. وفي هذا المثال توضيح شامل للفرق بين " لام العاقبة " و " لام الإرادة والتعليل " وعندما نرى أحداثا مثل هذه الأحداث فلا نقول: " هذا مراد الله " ولكن فلنقل: العاقبة فيما فعلوا وأحدثوا خلاف ما خططوا. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٨٠٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٨٠٧