ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين
[الأنبياء: 107]. ويكفيه موقفه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، حين تذهب كل أمة إلى رسولها ليردها، فتأتي الأمم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكرمه الله بقبول شفاعته حتى يعجل الله بالفصل والحساب، وهذه رحمة للعالمين لأنهم من هول الموقف يتمنون الانصراف ولو إلى النار. ونحن قلنا سابقا: إن الحق سبحانه وتعالى علم انشغال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمته وبرحمته بهم، فقال له الله - ليريح عواطفه ومواجيده - ما ورد هنا في الحديث الشريف: فعن عبد الله بن عمر بن العاص رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم:
رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني
[إبراهيم: 36]. وقول عيسى - عليه السلام -
إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم
[المائدة: 118].
" فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله عز وجل: يا جبريل اذهب إلى محمد وربك أعلم فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه الصلاة والسلام فسأله، فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال وهو أعلم، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: " إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك " ".
ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - له موقف آخر يدل على كمال رحمته بأمته، فقد أنزل الله فيما أنزل من القرآن الكريم - بعد فترة الوحي - قوله تعالى:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى: 5]. انظروا إلى ما ورد عن سيدنا علي في هذه الآية، فقد روي أنه - رضي الله عنه - قال لأهل العراق: إنكم تقولون: إن أرجى آية في كتاب الله تعالى:
قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا
[الزمر: 53]. قالوا: إنا نقول ذلك قال: ولكنا - أهل البيت - نقول: إن أرجى آية في كتاب الله قوله تعالى:
ولسوف يعطيك ربك فترضى
[الضحى: 5]. وفي الحديث لما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه وسلم -:
" إذا لا أرضى وواحد من أمتي في النار ".
كما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
" لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته وإني اختبأت دعوتي شفاعتي لأمتي يوم القيامة ".
وهكذا نرى شغل رسول الله بأمته كأمر واضح موجود في بؤرة شعوره. إذن فقول الله: ﴿ ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ﴾ [آل عمران: 176] هو توضيح من الله لرسوله بأنهم لم يسارعوا في الكفر تقصيرا منك، فأنت قد أديت واجبك، ويضيف سبحانه: ﴿ إنهم لن يضروا الله شيئا ﴾ [آل عمران: 176] ولم يقل سبحانه: إنهم لن يضروك، أو لن يضروا المؤمنين، لا بل لقد جعل سبحانه وتعالى المعركة معه وهو القوي ذو الجبروت إنه هنا يطمئن المؤمنين. ويريد الله ألا يجعل للذين يسارعون إلى الكفر حظا في الآخرة فيقول: ﴿ يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم ﴾ [آل عمران: 176] وما دامت هذه إرادات الله في ألا يجعل لهم حظا في الآخرة، أيكون لهم عمل يصادم مرادات ربهم؟ لا. إنه سبحانه يريد بما شرع من منهج أن تأتيهم سنته، والله يعذب من يخالف سنته التي شرعها. لأنه جلت قدرته يطلب من المكلفين أن يطبقوا سنته التي شرعها لهم. وفرق بين وجود " لام العاقبة " التي تأتي حين يكون في مراد العبد شيء، ولكن القدرة الأعلى تريد شيئا آخر، وهي تختلف عن " لام الإرادة والتعليل " ف " لام الإرادة والتعليل " تتضح في قولنا: ذاكر التلميذ لينجح، لأن علة المذاكرة هي الرغبة في النجاح، أما " لام العاقبة " فتتضح عندما يقول الأب لابنه: أنا دللتك لترسب آخر العام.
أدلل الأب ابنه حتى يرسب؟ لا، ولكن الأب يأتي هنا ب " لام العاقبة " أي كان للأب مراد، ولكن قدرة أعلى جاءت على خلاف المراد. ونوضح المسألة أكثر، فالحق يقول في قصة سيدنا موسى: