تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لقبتموه أمين القوم في صغر

وما الأمين على قول بمتهم

ها هو ذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يقول: إن كان قد قال فقد صدق - إذن فالمقدمات التي يعرفونها عنه كانت هي الحجة في تصديق الرسول، وخديجة - رضي الله عنها - عندما آمنت به، أقال لها المعجزات والقرآن؟ لا.

بل بمجرد أن قال لها: أنا رسول الله. قالت له: صدقت فلا بد أن تكون رسولا، هو نفسه كان يتشكك وهي مؤمنة به، هو نفسه يتساءل: لعل ذلك يكون كذا، وذهبت به خديجة - رضي الله عنها - إلى ورقة بن نوفل لتطمئنه على الرغم من أنها كانت قد توصلت إلى الحكم في القضية التي سألت عنها ورقة بن نوفل وأوضحت لرسول الله أن ما تقوله لا يمكن أن يوقعك في بلية أو خزي أو ذلة لأن صفاتك جاءت كمقدمات لهذه النتيجة، وهي أنك رسول كريم " إنك لتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الدهر، والله لا يخزيك الله أبدا " ، إنسان بهذه الصفات لا يمكن أن يأتيه شيطان، وتعال نذهب معا لأهل الكتاب الذين لهم علم بهذه المسألة. كأنها آمنت برسالة رسول الله قبل أن يقول لها ورقة بن نوفل شيئا. إذن فقوله: ﴿ من أنفسهم ﴾ [آل عمران: 164] أي معروف لهم، فلم يأت لهم بواحد سقط عليهم من السماء، وقال: هذا رسول، لا. إنه رسول " من أنفسهم " ، وهذه أول منة، ﴿ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ﴾ [آل عمران: 164]، هذا إذا أخذت المحيط القريب إنه من الرهط ومن القبيلة ومعروف لهم، " من أنفسهم " أو من جنس ونوع العرب، وهذه أيضا منة، فساعة أن يتكلم سيفهمونه ولا يحتاجون إلى وساطة أو ترجمة، والرسول عندما يأتي ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، يريد أناسا تفهم عنه، فأوضح لهم: لم أكلفكم لتقولوا ماذا يريد، لا، هو من أنفسكم، وهو إنسان له مواصفاتكم، ولكنهم لفرط عنادهم لم يؤمنوا مصداق ذلك قوله تعالى:

وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا

[الإسراء: 94]. إنهم يستكثرون كيف يبعث الله بشرا ويجعله رسولا، وهذا غباء في الاعتراض، ويأتي الرد الجميل من الله.

قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا

[الإسراء: 95]. أنتم من البشر، فلا بد أن نأتيكم برسول من جنسكم، حتى إذا قال لكم: افعلوا كذا تقولون: نعم؟ لأنه بشر ويعمل ونحن بشر نستطيع أن نعمل مثله.. لكنه لو كان ملكا لقال الواحد منكم: وهل أنا أقدر أن أكون كالملك؟ إذن فلا تنفع هذه الحكاية، وهكذا من الله على المؤمنين. إذ بعث فيهم رسولا. ﴿ من أنفسهم ﴾ [آل عمران: 164]، إن أخذتها على أساس أنها قبيلة محدودة ومعروفة فهي منة، وإن أخذتها على أنه من جنس عربي فيكون اللسان واحدا فهي منة، وإن أخذتها من الجنس العام وهو الإنسان فهي منة أيضا. وهل اعتبار معنى واحد من المعاني ينقض المعاني الأخرى أو تأتي كلها في سلك واحد؟ إنها معان تأتي كلها في سلك واحد لأن المتكلم هو الله، وما دام المتكلم هو الله فيكون عطاء اللفظ أكثر من عطاء ألفاظ الخلق، ﴿ لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم ﴾ [آل عمران: 164]، وهناك قراءة - وإن كانت قراءة شاذة - تقول: " من أنفسهم " بفتح الفاء أي من أشرفهم لأنه من بني هاشم وهم أفضل قريش، وقريش أفضل العرب.

وماذا يعمل الرسول؟ يفهم من قوله: " رسولا " أنه لا يأتي بشيء من عنده، بل هو - مع هذه المنزلة الحسنة بخلقه الجميل وماضيه الناصع - هو مع هذا رسول وليس له في الأمر شيء، إذن فمرسله خير منه، فلا تتنبه إلى هذا الرجل العظيم فحسب بل يجب عليك أن تسأل: من أين جاء؟ لا بد أن تلتفت إلى أن الذي بعثه أعظم منه. ﴿ رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ﴾ [آل عمران: 164]، وكلمة " يتلو " يعني يقرأ لأن الكلمة تتلو الكلمة، فالذي يقرأ أي ينطق كلمة بعد كلمة، كلمة تالية بعد أخرى ﴿ يتلوا عليهم آياته ﴾ [آل عمران: 164] وكلمة " الآيات " - كما نعرف - تستعمل للأمور العجيبة اللافتة للنظر، تقول مثلا: فلان آية في الحسن. أي حسنه لافت للنظر، وتقول: فلان آية في الذكاء، صحيح أن هناك أذكياء كثيرين، لكنه آية في الذكاء.. أي أن هذا الإنسان أمره عجيب في الذكاء، إذن فكلمة " آية " معناها: الأمر العجيب، وهو الذي يقف الإنسان عنده وقفة طويلة ليتأمل في عجائبه. والآيات نوعان: آيات منظورة في الكون مثل قول الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٨٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٨٩