شاور سواك إذا نابتك نائبة
يوما وإن كنت من أهل المشورات
لقد اهتدى الشاعر إلى كيفية تقريب المعنى لنا، فعلى الرغم من أن الإنسان قد يكون من أهل المشورة والناس تأخذ برأيه، فعليه أن يسأل الناس الرأي والمشورة، لماذا؟ ها هو ذا الشاعر يكمل النصيحة:
فالعين تنظر منها مادنا ونأى
ولا ترى نفسها إلا بمرآة
إن العين ترى الشيء القريب والشيء البعيد، لكن هذه العين نفسها تعجز عن رؤية نفسها إلا بمرآة، وكذلك شأن المسألة الخاصة بغيرك والتي تعرض عليك، إن عقلك ينظر فيها باستواء ودون انفعال لأنه لا هوى لك، والحق هو الذي يجذبك.
لكن مسائلك الخاصة قد يدخل فيها هواك ويحليها لك ويحسنها. إذن فالمشورة في أحد كانت نتيجتها كما علمتم، وكأن الله يقول لرسوله: إياك أن تأخذ من سابقة المشورة أن المشورة لا تنفع، فتقاطعهم ولا تشاورهم لأنك لن تظل حيا فيهم، وسيأتي وقت يحكمهم بشر مثلهم، وما دام يحكمهم بشر مثلهم فلا تحرمه أن يأخذ آراء غيره، وعندما يأخذ الآراء وتكون أمامه آراء متعددة فهو يستطيع أن يتوصل إلى الحكم الصحيح بحكم الولاية وبحكم أنه الإمام، ويستطيع أن يفاضل ويقول: هذه كذا وهذه كذا، إلا أن يفوض غيره. ﴿ وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ [آل عمران: 159] وقد عزم رسول الله أيضا على الحرب ولبس لأمته، أكان يلبس اللأمة - وهي عدة الحرب - وبعد ذلك يقولون له: لا تخرج فيدعها؟ لا فالمسألة لا تحتمل التردد. ﴿ فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ [آل عمران: 159] وهذه فائدة الإيمان، وفائدة الإيمان: أن الجوارح تعمل والقلوب تتوكل، معادلة جميلة! الجوارح تقول: نزرع، نحرث، نأتي بالبذر الجيد، نروي، نضع سمادا ونفترض أن الصقيع قد يأتي ونخشى على النبات منه فنأتي بقش ونحوه ونغطيه، كل هذه عمل الجوارح. وبعد ذلك القلوب تتوكل. فإياك أن تقول: المحصول آت آت لأنني أحسنت أسبابي، لا. لأن فوق الأسباب مسببها. فالجوارح تعمل والقلوب تتوكل، هذه فائدة الإيمان لأنني مؤمن بإله له طلاقة القدرة، يخلق بأسباب ويخلق بغير أسباب. الأسباب لك يا بشر، أما الذي فوق الأسباب فهو لله، فأنت حين تعمل أخذت بالأسباب، وحين تتوكل ضمنت المسبب وهو الله - سبحانه -. إذن فالجوارح تعمل والقلوب تتوكل. إياك أن تظن أن التوكل يعني أن تترك الجوارح بلا عمل، لا، فهذا هو التواكل أو الكسل، إنه التوكل الكاذب، والدليل على كذب من يقول ذلك أنه يحب أن يتوكل فيما فيه مشقة، والسهل لا يتوكل فيه، ونقول للرجل الذي يدعي أنه يتوكل ولا يعمل: أنت لست متوكلا، ولو كنت صادقا في التوكل إياك أن تمد يدك إلى لقمة وتضعها في فمك. كن متوكلا كما تدعي، ودع التوكل يضع لك اللقمة في فمك واترك التوكل ليمضغها لك! وطبعا لن يفعل ذلك، ولهذا نقول له أيضا: إن ادعاءك التوكل هو بلادة حس إيماني وليس توكلا. إن الحق سبحانه وتعالى يقول: ﴿ واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله ﴾ [آل عمران: 159] و " عزمت " تقتضي عزيمة، والتوكل يقتضي إظهار عجز، فمعنى أني أتوكل على الله أنني استنفدت أسبابي، ولذلك أرجع إلى من عنده قدرة وليس عنده عجز، وهذا هو التوكل المطلق.
وفي حياتنا اليومية نسمع من يقول: أنا وكلت فلانا، أي أنني لا أقدر على هذا الأمر فوكلت فلانا. ومعنى توكيله لفلان أنه قد أظهر عجزه عن هذا الأمر. ولهذا ذهب إلى غير عاجز. كذلك التوكل الإيماني، فالتوكل معناه: تسليمك زمام أمورك إلى الحق ثقة بحسن تدبيره، ومن تدبيره أن أعطاك الأسباب فلا ترد يد الله الممدودة بالأسباب ثم تقول له اعمل لي يارب لأننا قلنا في سورة الفاتحة: إن الإنسان يدعو قائلا:
إياك نعبد وإياك نستعين
[الفاتحة: 5]. ومعنى " نستعين " أي نطلب منك المعونة التي نتقن بها العمل. وبعد ذلك يقول الحق: ﴿ إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده... ﴾.