تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ولا يشرك به شيئا ".

فأنا أطلب منك الرحمة التي أودعتها في قلبك فاستعملتها في كل مجال، وبهذه الرحمة لنت لهم، وبهذه الرحمة التفوا حولك، التفوا حولك لأدبك الجم، ولتواضعك الوافر، لجمال خلقك، لبسمتك الحانية، لنظرتك المواسية، لتقديرك لظرف كل واحد حتى إنك إذا وضع أي واحد منهم يده في يدك لم تسحب يدك أنت حتى يسحبها هو، خلق عال، كل ذلك أنا أجعله حيثية لتتنازل عن كل تلك الهفوات وليسعها خلقك وليسعها حلمك، لأنك في دور التربية والتأديب. والتربية والتأديب لا تقتضي أن تغضب لأي بادرة تبدر منهم، وإلا ما كنت مربيا ولا مؤدبا. ﴿ ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ [آل عمران: 159] لماذا؟ لأنك تخرجهم عما ألفوا من أمور الجاهلية.

والذي يخرج واحدا عما ألف لا يصح أن يجمع عليه إخراجه عما اعتاد بالأسلوب الخشن الفظ لأنه في حاجة إلى التودد وإلى الرحمة، لا تجمع عليه بين أمرين تقبيح فعله، وإخراجه عما ألف واعتاد، ولذلك يقولون للذي ينصح إنسانا، النصح ثقيل لأن النصح معناه تجريم الفعل في المنصوح، فعندما تقول لواحد: لا تفعل هذا، ما معناها؟ معناها أن هذا الفعل سيء، فما دمت تجرم فعله فلا تجمع عليه أمرين، إنك قبحت فعله وأخرجته مما ألف، وبعد ذلك تنصحه بما يكره لا، إنه في حاجة إلى ملاطفة وملاينة لتستل منه الخصال القبيحة، نحن نستعمل ذلك في ذوات أنفسنا حين نجد مرضا يحتاج إلى علاج مر، فنغلف العلاج المر في غلاف من السكر بحيث يمر من منطقة الذوق بلا ألم أو نغص، حتى ينزل في المنطقة التي لا تحس بهذه المرارة لأن الإحساس كله في الفم. فإذا كنتم تفعلون ذلك في الأمور المادية، فلا بد إذن أن نطبق ذلك أيضا في الأمور المعنوية، ولأن النصح ثقيل فلا تجعله جدلا ولا ترسله جبلا، وخفة البيان تؤدي عنك بدون إثارة أو استثارة، وبلطف يحمل على التقبل.. بهذا تصل إلى ما تريد، ومثال ذلك حكاية الملك الذي رأى في منامه أن أسنانه كلها وقعت، فجاء للمعبر ليعبر، فقال له: أهلك جميعا يموتون، التعبير لم يسر منه الملك، فذهب لواحد آخر فقال له: ستكون أطول أهل بيتك عمرا، إنه التعبير نفسه، فما دام أطول أهل بيته عمرا، إذن فسيموتون قبله، هي هي، ولذلك قالوا: الحقائق مرة فاستعيروا لها خفة البيان. ﴿ ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ [آل عمران: 159] إذن فبالرحمة لنت لهم وبلين القول تبعوك وألفوك وأحبوك. و " الفظ " هو: ماء الكرش، والإبل عندما تجد ماء فهي تشرب ما يكفيها مدة طويلة، ثم بعد ذلك عندما لا تجد ماء فهي تجتر من الماء المخزون في كرشها وتشرب منه، في موقعة من المواقع لم يجدوا ماء فذبحوا الإبل وأخذوا الماء من كرشها، الماء من كرش الإبل يكون غير مستساغ الطعم، هذا معنى " الفظ " ، ونظرا لأن هذا يورث غضاضة فسموا: " خشونة القول " فظاظة، والغلظ في القلب هو ما ينشأ عنه الخشونة في الألفاظ. ﴿ ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ﴾ [آل عمران: 159]. إنها رحمة طبعت عليها يا رسول الله من الحق الذي أرسلك. وبالرحمة لنت لهم وظهر أثر ذلك في إقبالهم عليك وحبهم لك لأنك لو كنت على نقيض ذلك لما وجدت أحدا حولك. إذن فالسوابق تثبت أن هذه هي طباعك، وخلقك، هو الرحمة واللين.

وبعد ذلك اعف عنهم، وقلنا: إن " العفو " هو: محو الذنب محوا تاما وهو يختلف عن كظم الغيظ لأن كظم الغيظ يعني أن تكون المسألة موجودة في نفسك أيضا إلا أنك لا تعاقب عليها لأنك كففت جوارحك وصنت لسانك، أما المسألة فما زالت في نفسك، لكن العفو هو أن تمحو المسألة كلها نهائيا، وتأكيدا لذلك العفو فأنت قد تقول: أنا من ناحيتي عفوت. لا. المسألة لا تتعلق بك وحدك لأنك رسول من الله، أنت وراءك إله يغار عليك، فلا يكفي أن تعفو عنهم. بل لا بد أن تستغفر الله لهم أيضا، فمن الممكن أن يعفو صاحب الذنب، ولكن ربي ورب صاحب الذنب لا يعفو، فيوضح الحق: أنت عفوت فهذا من عندك لكنه يطلب منك أن تستغفر لأجلهم. كي لا يعذبهم الله عما بدر منهم نحوك. ﴿ فاعف عنهم ﴾ [آل عمران: 159] هذه خاصة بالرسول صلى الله عليه وسلم.. ﴿ واستغفر لهم ﴾ [آل عمران: 159] بسبب ما فعلوه، وترتب عليه ما ترتب من هزيمتكم في " أحد " ، وشجك وجرحك، ولا تقل: استشرتهم وطاوعتهم في المشورة، وبعد ذلك حدث ما حدث، فتكره أن تشاورهم، لا تقفل هذا الباب برغم ما حدث نتيجة تلك المشورة وأنها لم تكن في صالح المعركة، فالعبرة في هذه المشقة هي أن تكون " أحد " معركة التأديب، ومعركة التهذيب، ومعركة التمحيص، إذن فلا ترتب عليها أن تكره المشورة، بل عليك أن تشاورهم دائما، فما دام العفو قد رضيت به نفسك، وما دمت تستغفر لهم ربك، واستغفارك ربك قد تستغفره بعيدا عنهم، وعندما تشاورهم في أي أمر من بعد ذلك فكأن المسألة الأولى انتهت، وما دامت المسألة الأولى قد انتهت، فقد استأنفنا صفحة جديدة، وأخذنا الدرس والعظة التي ستنفعنا في أشياء كثيرة بعد ذلك. ولذلك تجد بعد هذه المعركة أن الأمور سارت سيرها المنتصر دائما لأن التجربة والتعليم والتدريب قد أثر وأثمر، لدرجة أن سيدنا أبا بكر - رضي الله عنه - عندما جاءت حروب الردة، ماذا صنع؟ شاور أصحابه، فقال له بعضهم: لا تفعل. فهل سمع مشورتهم؟ لا. لم يسمع مشورتهم، إنما شاورهم. فلإنفاد المشورة حكم، ولرد المشورة حكم، المهم أن تحدث المشورة ونعمل بأفضل الأراء فالمشورة: تلقيح الرأي بآراء متعددة، ولذلك يقول الشاعر:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٨٢