إذن فما دامت المسألة مجهولة فلماذا ربطتم بين القتل والموقعة؟ وهل لم تروا إنسانا مات وليس في موقعة؟ ألم تروا إنسانا قد قتل وليس في موقعة؟ لو أن القتل لا ينشأ إلا في مواقع قتال وحرب لكان لكم أن تقولوا هذا، وإنما القتل والموت قضية عامة لها واقع في حياتكم. هذا الواقع لم يرتبط بأرض، ولم يرتبط بزمان، ولم يرتبط بسن، ولم يرتبط بسبب، وإنما الموت يأتي لأنك تموت، انتهت المسألة. إذن فهم عندما ربطوا القتل والموت بالموقعة فهم قد خرجوا عن القضية الإيمانية. ولذلك يأتي الرد من الحق بأمر واضح للرسول صلى الله عليه وسلم: ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ [آل عمران: 154]. فكأنك أيها الميت قد تكون أحرص على لقاء الموت من حرص الموت عليك. بدليل أننا قلنا: إن الإنسان يكون مريضا، ويلح على أن تجري له عملية جراحية فيعتذر الطبيب قائلا: عندي عدد كبير من الجراحات فانتظر شهرا، فيأتي له المريض بوساطة لكي يقبل الطبيب إجراء العملية الجراحية ويلح عليه. ويعلى أجر الطبيب وقد يموت المريض. إذن فهو يلح على الموت أو لا؟ إنه يلح على الموت. يقول الحق: ﴿ لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم ﴾ [آل عمران: 154] وكلمة " برز " تدل على اندفاع حركي، فمعنى: برز من الصف يعني أن الصف له التئام واقعي، والذي يبرز إنما يقوم بحركة مخالفة للصف، هذه حركة. ﴿ قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ﴾ [آل عمران: 154] والذي يبرز إلى المضجع هو من يخرج من مكان الاستقرار، وإلا فكيف يكون الابتلاء لمن يقدر الله سبحانه أن يحملوا معركة الإسلام إلى أن تقوم الساعة إذا لم تكن هذه المسائل؟ لا بد أن يكونوا قوما قد عركتهم التجربة، ممحصين بالأحداث حتى لا يكون مأمونا على حمل السلاح في الإسلام إلا هؤلاء الصفوة المختارة. فساعة يقول الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج، وينتهي إلى أن يخرج إلى أحد، نجد جماعة يتخاذلون بوساطة ابن أبي، هذه أول تصفية، وبعد ذلك ينقسم الرماة، وهذه تصفية أخرى، فريق يظل وفريق ينزل للغنائم، وبعد ذلك يشاع أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد قتل، هذه تصفية ثالثة. ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور ﴾ [آل عمران: 154] وكلمة " ذات الصدور " معناها صاحبة الصدور. وفي الصدر يحرص الإنسان على إخفاء الأمر الذي يحب أن يحتفظ به لنفسه بحرص كحرص الصاحب على صاحبه، كأن الصدر حريص على ألا يسلم ما فيه، ولكن الله سبحانه وتعالى يفضحهم أمام الناس، ويفضحهم أمام نفوسهم فقد يجوز أن يكونوا مغشوشين في نفوسهم. ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا... ﴾.
خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٧٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٧٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي