تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن طآئفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما

[الحجرات: 9] وبعد ذلك يعود الحق للتثنية فيقول:

فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فآءت فأصلحوا بينهما

[الحجرات: 9] والصلح يكون بين جماعة ممثلة في قيادة وجماعة أخرى ممثلة في قيادة. وقوله الحق: ﴿ وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ﴾ [آل عمران: 154] هذا القول يدل على أنها طائفة تدور حول حركة واحدة، ويدل على أن النفاق نفاق متفق عليه، وليس كل واحد منهم ينافق في نفسه، لا إنها طائفة المنافقين، وقد كونوا جماعة، ولهم سياسة مخصوصة، ولهم كلام مخصوص ولهم وحدة فكر، ولهم وحدة قول، تعرفهم من قول الحق ﴿ وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ﴾ [آل عمران: 154]. ونعرف أن الحق هو الشيء الثابت، وما دام ثابتا فهو لا يتغير، وقضية الحق فيه تكون مطردة، فالله حق، خلق السماوات والأرض، وكل الكون بالحق، أنزل كتابه بالحق، كله حق، فهم يظنون بالله غير الحق مع أنه حق، ونشأ الكون منه بقانون حق، واستمرت سنن الله في الكون بالحق، وهو دائما ينصر الحق، وهم يظنون بالله غير الحق، يقولون: ربنا لم ينصرنا على الرغم من أنه وعدنا بالنصر، وتناسوا العناصر التي جعلها الله أسبابا للنصر، إنها سنة الله وسنة الله تتحقق ولو على أحبابه، لقد خالفوا أمر الرسول، فلا بد أن ينهزموا، فلا مجاملة لأحد، فالذي يخالف لا بد أن يأخذ جزاءه لأن هذا هو الحق.

كان يجب أن يقولوا إن الحق واضح لدرجة أن أحبابه ومعهم رسوله حينما خالفوا عن أمر الله الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم طبق الله عليهم سنته إذن فهي سنة بالحق، لكنهم ظنوا بالله ظن الجاهلية، والمقصود به إما ظن أهل الجاهلية وإما أن تكون الجاهلية علما على السفه كله، وهذا الظن له نضح سلوكي. ﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء ﴾ [آل عمران: 154] أي هل انتصرنا أو ظفرنا أو غلبنا أو أخذنا غنائم؟ أو يكون قولهم: ﴿ هل لنا من الأمر من شيء ﴾ [آل عمران: 154] مقصودا به: أننا خرجنا إلى المعركة بدون رأينا فقد كان من رأينا ألا نخرج وأن نظل في المدينة وعندما يدخلونها علينا نحاربهم. ﴿ يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله ﴾ [آل عمران: 154] هم لم يمتلكوا البصيرة الإيمانية ولم يعرفوا لماذا لم ينصرهم الله، هم فهموا أنهم لم ينتصروا لكن في عرف الحق أنه انتصار لماذا؟ لأن المعركة أثبتت أن المبدأ إن خولف فلا نصر، إذن فالإسلام قد انتصر، ولكن الذي انهزم هم المتخاذلون عن منهج الإسلام، وهذا نصر للإسلام في ذاته. ولذلك يجب أن نفرق دائما بين المبدأ الإسلامي والمنسوبين للمبدأ. إياك أن تأخذ الحكم على المبدأ من المنسوبين للمبدأ، فلا يكون المنسوبون للمبدأ حجة على الحكم في ذاته إلا إذا كانوا ملتزمين به لأن الله حينما شرع دينا سماه الإسلام ليحكم حركة الحياة في الناس فهو قد قنن وحرم فيه أفعالا، وما دام قد قنن وحرم فيه أفعالا فمعناه أن المؤمنين المسلمين الذين انتسبوا له من الممكن أن يخالفوا بأفعالهم تلك الأحكام، فعندما يقرر الإسلام جلد أو رجم الزاني والزانية، وحينما يشرع الإسلام قطع يد السارق أو السارقة وحين يشرع الإسلام تلك العقوبات للجرائم، فمعنى ذلك أنه من الجائز أن تحدث تلك الجرائم، فإذا ما حدثت فأنت لا تأخذها من واقع مجرم لتحكم به على الإسلام، لا تقل إن الإسلام أباح السرقة بل قل: سرق مسلم ووضع الإسلام عقوبة صارمة عليه وهي قطع يده. ﴿ يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا ﴾ [آل عمران: 154] وهذه هي الفضيحة لهم، فماذا كانوا يريدون أن يكون لهم؟ كانوا يريدون ألا يخرجوا للمعركة فقالوا: لو كان لنا من الأمر شيء واتبعنا منطقنا، لما جئنا الموقعة هنا وحصل لنا ما حصل، هذه واحدة، أو لو كان لنا شيء من الظفر الذي وعد الله به محمدا وأصحابه ما قتلنا ها هنا، فعلى الرأيين يصح المعنى، فكأنهم أرادوا أن يعللوا القتل أو الموت بأسباب، ومن الذي قال: إن القتل أو الموت يتعلق بأسباب؟ إن الموت قضية تطرأ لإعدام الحياة، وهي مجهولة السبب ومجهولة الزمان ومجهولة المكان ومجهولة العمر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٧٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٧٦