تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا..

[الفتح: 29]. فالمؤمن ليس مطبوعا على الشدة، ولا على الرحمة، ولكن الموقف هو الذي يصنع عواطف الإنسان، فالحق سبحانه يقول:

أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين..

[المائدة: 54]. وهل هناك من هو ذليل عزيز معا؟ نقول: المنهج الإيماني يجعل المؤمن هكذا، ذلة على أخيه المؤمن وعزة على الكافر. إذن فالإسلام لا يصب المؤمنين في قالب كي لا ينفعلوا في الأحداث. ومثال آخر: ألم ينفعل الرسول صلى الله عليه وسلم حين مات ابنه إبراهيم؟ لقد انفعل وبكى وحزن. إن الله لا يريد المؤمن من حجر. بل هو يريد المؤمن أن ينفعل للأحداث ولكن يجعل الانفعال على قدر الحدث، ولذلك قال سيدنا رسول الله عند فراق ابنه:

" إن العين تدمع وإن القلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ".

ولا نقول لحظة الانفعال ما يسخط الرب. بل انفعال موجه، والغيظ يحتاج إليه المؤمن حينما يهيج دفاعا عن منهج الله، ولكن على المؤمن أن يكظمه. أي لا يجعل الانفعال غالبا على حسن السلوك والتدبير. والكظم - كما قلنا - مأخوذ من أمر محس. مثال ذلك: نحن نعرف أن الإبل أو العجماوات التي لها معدتان، واحدة يختزن فيها الطعام، وأخرى يتغذى منها مباشرة كالجمل مثلا، إنه يجتر. ومعنى: يجتر الجمل أي يسترجع الطعام من المعدة الإضافية ويمضغه، هذا هو الاجترار. فإذا امتنع الجمل عن الاجترار يقال: إن الجمل قد كظم. والحق سبحانه يقول: ﴿ والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس ﴾ [آل عمران: 134]. وقلنا: إن هناك فرقا بين الانفعال في ذاته، فقد يبقى في النفس وتكظمه، ومعنى كظم الانفعال: أن الإنسان يستطيع أن يخرجه إلى حيز النزوع الانفعالي، ولكنه يكبح جماح هذا الانفعال. أما العفو فهو أن تخرج الغيظ من قلبك، وكأن الأمر لم يحدث، وهذه هي مرتبة ثانية. أما المرتبة الثالثة فهي: أن تنفعل انفعالا مقابلا أي أنك لا تقف عند هذا الحد فحسب، بل إنك تستبدل بالإساءة الإحسان إلى من أساء إليك. إذن فهناك ثلاث مراحل: الأولى: كظم الغيظ. والثانية: العفو. والثالثة: أن يتجاوز الإنسان الكظم والعفو بأن يحسن إلى المسيء إليه.

وهذا هو الارتقاء في مراتب اليقين لأنك إن لم تكظم غيظك وتنفعل، فالمقابل لك أيضا لن يستطيع أن يضبط انفعاله بحيث يساوي انفعالك، ويمتلئ تجاهك بالحدة والغضب، وقد يظل الغيظ ناميا وربما ورث أجيالا من أبناء وأحفاد. لكن إذا ما كظمت الغيظ، فقد يخجل الذي أمامك من نفسه وتنتهي المسألة. ﴿ والعافين عن الناس ﴾ [آل عمران: 134] مأخوذة من " عفى على الأثر " والأثر ما يتركه سير الناس في الصحراء مثلا، ثم تأتي الريح لتمحو هذا الأثر. ويقول الحق في تذييل الآية: ﴿ والله يحب المحسنين ﴾ [آل عمران: 134]. وقلنا في فلسفة ذلك: إننا جميعا صنعة الله، والخلق كلهم عيال الله. وما دمنا كلنا عيال الله فعندما يسيء واحد لآخر فالله يقف في صف الذي أسيء إليه، ويعطيه من رحمته ومن عفوه ومن حنانه أشياء كثيرة. وهكذا يكون المساء إليه قد كسب. أليس من واجب المساء إليه أن يحسن للمسيء؟. لكن العقل البشري يفقد ذكاءه في مواقف الغضب فالذي يسيء إلى إنسان يحسبه عدوا. لكن على الواحد منا أن يفهم أن الذي يسيء إليك إنما يجعل الله في جانبك فالذي نالك من إيذائه هو أكثر مما سلبك هذا الإيذاء. هنا يجب أن تكون حسن الإيمان وتعطي المسيء إليك حسنة. ويضيف الحق من بعد ذلك في صفات أهل الجنة: ﴿ والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٤٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٤٤