تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له ".

ولذلك يقول الحق:

ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السمآء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون

[إبراهيم: 24-25]. هي كلمة طيبة قيلت، لكنها مثل الشجرة الطيبة لأنها ترسخ في أذن من يسمعها فتصير حركة خاضعة للكلمة، وكلما فعل السامع لهذه الكلمة فعلا ناتجا من تأثير هذه الكلمة فإن بعض الثواب يعود إلى من قال هذه الكلمة حتى ولو كان قد مات. فكأن قائل هذه الكلمة ما زال يعيش، وكأن عمره قد طال بكلمته الطيبة إذن فأعمال الخير التي تحدث من الإنسان ليس معناها أنها تطيل العمر لأن العمر محدود بأجل، ولكن هناك إنسان يعطي عمره عرضا، وآخر يعطيه عمقا ويظل العطاء منه موصولا إلى أن تقوم الساعة، فكأنه أعطى لنفسه عمرا خالدا. ويقولون: والذكر للإنسان عمر ثان. والحق سبحانه وتعالى يوضح الدروس المستفادة من غزوة أحد، إن أول مخالفة كانت سببا ليس في الهزيمة، ولكن دعنا نقل: " في عدم إتمام النصر " ، لأنهم بدأوا منتصرين، ولم يتم النصر لأنه قد حدثت مخالفة، ودوافع هذه المخالفة انهم ساعة رأوا الغنائم، اندفعوا إليها، إذن فدوافعها هي طلب المال من غير وجه مشروع لأن النبي قال لهم:

" انضحوا عنا الخيل ولا نؤتين من قبلكم، الزموا أماكنكم إن كانت النوبة لنا أو علينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم "

وبهذا صارت مبارحة المكان أمرا غير مشروع، فتطلع النفس إلى شيء في غير ما أمر به رسول الله يعتبر أمرا غير مشروع والتطلع هنا كان للمال، وهكذا الربا. وأراد الحق أن تكون سخونة الحدث، والأثر الذي نشأ من الحدث في أن المسلمين لم يتم نصرهم، وتعبوا، وكان مصدر التعب أن قليلا منهم أحبوا المال الزائد من غير وجهه المشروع. فأراد - سبحانه - أن يكون ذلك مدخلا لبيان الأثر السيء للتعامل بالربا. إذن فهذه مناسبة في أننا نجد آية الربا هنا وهي توضح الآثار السيئة للطمع في المال الزائد عن طريق غير مشروع، والقرآن فيه الكثير من المواقف التي توضح آثارا تبدو في ظاهرها غير مترابطة، ولكن النظرة العميقة تؤكد الترابط. وقلنا من قبل في قول الله تعالى:

حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين * فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذآ أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون

[البقرة: 238-239]. قد يقول أحد السطحيين: إن الحق سبحانه وتعالى كان يتكلم عن الطلاق قبل هاتين الآيتين فقال سبحانه:

وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير

[البقرة: 237]. ويترك الحق الحديث عن الطلاق ويأمر بالحفاظ على الصلاة بقوله الحكيم:

حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين

[البقرة: 238]. وبعد ذلك يعود الحق لاستكمال حديث الطلاق والفراق بالموت.

والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم

[البقرة: 240]. إنه يتكلم عن الطلاق، والوفاة، ثم ينزل بينهما آية الصلاة، لماذا؟ ليتضح لنا أن المنهج الإسلامي منهج متكامل. إياك أن تقول: إن الطلاق غير الصلاة، غير الوفاة، أبدا، إنه منهج متكامل. ولأنه - سبحانه وتعالى - يريد أن ينبهنا إلى أن الطلاق عملية تأتي والنفس فيها غضب وتأتي والزوج والزوجة وأهل الزوج وأهل الزوجة في كدر، فيقول لهم المنهج: لو كنتم تحسنون الفهم لفزعتم إلى الصلاة حين تواجهكم هذه الأمور التي فيها كدر. وساعة تكون في كدر قم وتوضأ وصل، لأن النبي علمنا أنه إذا حزبه أمر قام إلى الصلاة، فساعة تجد الجو المشحون بالتوتر بين الزوج والزوجة وأهلهما قل لهم: المسألة صارت أكبر من حيلنا، فهيا نصل ليساعدنا الله على حل هذه المسائل الصعبة وأنا أتحدى ألا يوجد الله حلا لمشكلة لجأ فيها المسلم إلى الصلاة قبلها. وهكذا نفهم أن الحق قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٣٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٣٩