وهكذا رأينا بين الذين أعلنوا إيمانهم فئة نكصت من أول الأمر، وفئة خرجت ثم عادت. لقد تحدثت النفوس ولكن أفراد تلك الفئة لم يقفوا عند حديث النفس بل ثبتوا إلى نهاية الأمر، ومنهم من ثبت إلى الغاية السطحية من الأمر كالرماة الذين رأوا النصر أولا، وهؤلاء من الذين ثبتوا، ما فروا أولا مع ابن أبي، وما كانوا من الطائفة التي همت، ولكنهم كانوا من الذين ثبتوا. لكنهم عند بريق النصر الأول اشتاقوا للغنائم، وخالفوا أمر الرسول، ولنقرأ قوله تعالى:
ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد مآ أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين
[آل عمران: 152]. وبعد ذلك تأتي لقطة أخرى وهي ألا نفتن في أحد من البشر، فخالد بن الوليد بطل معسكر الكفر في أحد، وهو الذي استغل فرصة نزول الرماة عن أماكنهم، وبعد ذلك طوق جيش المؤمنين، وكان ما كان، من خالد قبل أن يسلم، ألم يكن في غزوة الخندق؟ لقد كان في غزوة الخندق. وكان في غزوات كثيرة غيرها مع جند الشرك، فأين كانت عبقريته في هذه الغزوات؟. إن عبقرية البشر تتصارع مع عبقرية البشر ولكن لا توجد عبقرية بشرية تستطيع أن تصادر ترتيبا ربانيا، ولذلك لم يظهر دور خالد في معركة الخندق، لقد ظهر دوره في معركة أحد لأن المقابلين لخالد خالفوا أمر القيادة فبقيت عبقرية بشر لعبقرية بشر، ولكنهم لو ظلوا في حضن المنهج الإلهي في التوجيه لما استطاعت عبقرية خالد أن تطفو على تدبيرات ربه أبدا. والتحقيق التاريخي لكل العسكريين الذين درسوا معركة أحد قالوا: لا هزيمة للمسلمين ولا انتصار للكفار لأن النصر يقتضي أن يجلي فريق فريقا من أرض المعركة، ويظل الفريق الغالب في أرض المعركة. فهل قريش ظلت في أرض المعركة أو فرت؟ لقد فرت قريش. ويفسر النصر أيضا بأن يؤسر عدد من الطائفة المقابلة، فهل أسرت قريش أحدا من المسلمين؟ لا. ولقد علموا أن المدينة خالية من المؤمنين جميعا وليس فيها إلا من تخلف من المنافقين والضعاف من النساء والأطفال، ولم يؤهلهم فوزهم السطحي لأن يدخلوا المدينة. إذن فلا أسروا، ولا أخذوا غنيمة، ولا دخلوا المدينة، ولا ظلوا في أرض المعركة، فكيف تسمي هذا نصرا؟ فلنقل: إن المعركة ماعت. وظل المسلمون في أرض المعركة. وهنا تتجلى البطولة الحقة لأننا كما قلنا في حالة النصر يكون الأمر رخاء، حتى من لم يبل في المعركة بلاء حسنا ينتهز فرصة النصر ويصول ويجول، ولكن المهزومين والذين أصيب قائدهم صلى الله عليه وسلم، وضعف أن يصعد الجبل، حتى أن طلحة بن عبيد الله يطأطئ ظهره لرسول الله ليمتطيه فيصعد على الصخرة.
ورسول الله يسيل منه الدم بعد أن كسرت رباعيته وتأتي حلقتان من حلق المغفر في وجنته، بعد هذا ماذا يكون الأمر؟ حتى لقد أرجف المرجفون وقالوا: إن رسول الله قد قتل. وكل هذا هو من التمحيص، فمن يثبت مع هذا، فهو الذي يؤتمن أن يحمل السلاح لنصرة كلمة الله إلى أن تقوم الساعة. ويتفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلا من أبطال المسلمين كان حوله فلا يجده، إنه " سعد بن الربيع ". يقول عليه الصلاة والسلام: " من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات "؟ فقال رجل من الأنصار هو أبي بن كعب: فذهبت لأتحسسه، فرأيته وقد طعن سبعين طعنة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح ورمية قوس. فلما رآه قال له: رسول الله يقرئك السلام، ويقول لك: كيف تجدك - أي كيف حالك -؟ قال سعد بن الربيع: قل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وقل للأنصار ليس لكم عند الله عذر إن خلص إلى رسول الله وفيكم عين تطرف. ثم فاضت روحه. انظروا آخر ما كان منه، حين أثخن في المعركة فلم يقو على أن يحارب بنصاله، انتهز بقية الحياة ليحارب بمقاله، ولتصير كلماته دويا في آذان المسلمين. وليعلم أن هؤلاء الذين أثخنوه جراحا ما صنعوا فيه إلا أن قربوه إلى لقاء ربه، وأنه ذاهب إلى الجنة. وتلك هي الغاية التي يرجوها كل مؤمن. ونجد أيضا أن الذين يعذرهم القرآن في أن يشهدوا معارك الحرب، يتطوعون للمعارك! فمثلا عمرو بن الجموح، كان أعرج، والعرج عذر أقامه الله مع المرض والعمى لأنه سبحانه هو القائل: