تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به

[النحل: 126] ولكنه ارتقى بالمؤمن. وعندما ننظر إلى هذا الأمر كقضية اقتصادية وتحسبها ب " منه " و " له " فسنجد أن المؤمن قد كسب.. ومثال ذلك - ولله المثل الأعلى - ساعة يجد الأب ابنا من أبنائه قام بظلم أخ له فإن قلب الأب يكون مع المظلوم فهب أن إنسانا أساء لعبد من عباد الله فإن الله كرب مرب يغار له ونحن نعرف أن واحدا قال لعارف بالله: أتحسن لمن أساء إليك؟ فقال العارف بالله: أفلا أحسن لمن جعل الله في جانبي؟ ولنعد الآن إلى غيظ الكافرين من المؤمنين، إن غيظ الكافر ناتج من أن خصمه المؤمن يحب له الإيمان وليس في قلبه ضغينة بينما الكافر يغلي من الحقد، وبسبب هذا الأمر يكاد يفقد صوابه لذلك يقول الحق: ﴿ وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ [آل عمران: 119]. و " خلوا " المقصود بها. أن الكافرين إذا ما أصبحوا في مجتمع كفرى وليس معهم مسلم أعلنوا الغيظ من المؤمنين، ولقد فعلوا هذا الأمر - عض الأنامل من الغيظ - في غيبة الإيمان والمؤمنين بالله، لو كان عند هؤلاء الكافرين ذرة من تعقل لفكروا كيف فضحهم القرآن، وهم الذين ارتكبوا هذا الفعل بعيدا عن المؤمنين؟ ألم يكن لتفكيرهم أن يصل إلى أن هناك ربا للمؤمنين يقول الخافي من الأمور لرسوله، ويبلغها الرسول للمؤمنين. لكنهم مع ذلك لم يفهموا هذا الفضح لهم ﴿ وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل من الغيظ ﴾ [آل عمران: 119] وهنا ينبغي أن نفهم أن هناك أمرا قد يغيظ، ولكن الإنسان قد يجبن أن ينفث غيظه، فإذا غاظك أحد فقد تذهب إليه وتنفعل عليه، أو قد تنفعل على نفسك وذلك هو ما يسمى ب " تحويل النزوع ". فالغاضب يمتلئ بطاقة غضبية، ومن يغضب عليه قد يكون قويا وصاحب نفوذ، فيخاف أن ينفعل عليه، فينفث الغاضب طاقة غضبه على نفسه بأن يعض على أنامله، وما دامت المسألة هكذا، فقد قال الحق: ﴿ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ﴾ [آل عمران: 119]. ومعنى ذلك أن إغاظة المؤمنين لكم أيها الكافرون ستستمر إلى أن تموتوا من الغيظ لذلك فلا طائل من محاولتكم جذب المؤمنين إلى الكفر: " قل موتوا بغيظكم ". ونحن قد عرفنا أنه ساعة يؤمر الإنسان بشيء ليس في اختياره - لأن الموت ليس في اختيارهم - وأن يختار بينه وبين شيء في اختياره كالغيظ، فمعنى ذلك أن الأمر قد صدر إليه ليظل أسير الأمر الذي يقدر عليه وهو الغيظ حتى يدركه الموت.

وعندما يقول الحق: " موتوا بغيظكم " فهذا يعني أن الكافرين لن يستطيعوا الموت، ولكن سيظلون في حالة الغيظ إلى أن يموتوا لأنهم لايعرفون متى يموتون، وهكذا يظلون على حالهم من الغيظ من المؤمنين، وما دام الكافرون في حالة غيظ من المؤمنين فهذا دليل على أن المؤمنين يطبقون منهجهم بأسلوب صحيح. وفي هذه الآية بشارة طيبة للمؤمنين ونذارة مؤلمة للكافرين ﴿ قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور ﴾ [آل عمران: 119] إن الحق يعلمنا أنه عليم بذات الصدور، أي بالأمور التي تطرأ على الفكر، ولم تخرج بعد إلى مجال القول. وهو سبحانه القائل:

وما تخفي صدورهم أكبر..

[آل عمران: 118]. وما دام هو الحق العليم بما تخفي الصدور فهو قادر ليس فقط على الجزاء بما يفعلونه من عمل نزوعي ولكنه قادر على أن يجازيهم أيضا بأن يفضح الأعمال غير النزوعية الكامنة في صدروهم، وبعد ذلك يقول سبحانه: ﴿ إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٧٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٧٢٧