الذين ينفقون في السرآء والضرآء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134]. إن القرآن يعترف بأن هناك من الأحداث ما يستدعي غيظ الإنسان، والذي لا يغضب على الإطلاق إنما يسلك طريقا لا يتوافق مع طبيعة البشر السوية، والله يريد من الإنسان أن يكون إنسانا، له عواطفه وشعوره وانفعالاته، ولكن الله المربي الحق يهذب انفعالات هذا الإنسان، ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، فحين مات ولده إبراهيم: قال عليه الصلاة والسلام:
" إن العين تدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ".
إن النبي صلى الله عليه وسلم يمزج بين العاطفة والإيمان، فالعين تدمع، والقلب يحزن، والإنسان لا يكون أصم أمام الأحداث، إنما على الإنسان أن يكون منفعلا انفعالا مهذبا. وعندما يعبر القرآن عن الإنسان السوي فهو لا يضع المؤمن في قالب حديدي بحيث لا يستطيع أن يتغير فيقول سبحانه:
أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين..
[المائدة: 54]. إذن فليس المؤمن مطبوعا على الذلة، ولا مطبوعا على العزة، لكنه ينفعل للمواقف المختلفة، فهذا موقف يتطلب ذلة وتواضعا للمؤمنين فيكون المؤمن ذليلا، وهناك موقف آخر يتطلب عزة على الكافرين المتكبرين فيكون المؤمن عزيزا، والحق سبحانه يقول عن المؤمنين:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا
[الفتح: 29]. إن الرحمة ليست خلقا ثابتا، ولا الشدة خلقا ثابتا ولكن المؤمنين ينفعلون للأحداث، فحين يكون المؤمن مع المؤمنين فهو رحيم، وحين يكون في مواجهة الكفار فهو قوي وشديد. والله سبحانه لا يريد المؤمن على قالب واحد متجمد، لذلك يقول الحق:
والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين
[آل عمران: 134]. وهو سبحانه القائل:
وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به..
[النحل: 126]. إذن فالحق لم يمنع المؤمن من أن يعاقب أحدا على خطأ، وذلك لأنه خلق الخلق وعليم بهم، ولا يمكن أن يصادم طباعهم، وذلك حتى لا يتهدد المؤمن في إيمانه فيما بعد، فالمؤمن لو ترك حقوقه فإن الكفار سيصولون ويجولون في حقوق المسلمين ولهذا فالمؤمن يتدرب على توقيع العقاب حتى على المؤمن المخطئ، وذلك ليعرف المؤمن كيف يعاقب أي مجترئ على حق من حقوق الله. والمؤمن أيضا مطالب بأن يرتقي بعقابه، فهو إما أن يعاقب بمثل ما عوقب به، وإما أن يرتقي أكثر، ويستمع لقول الحق:
ولئن صبرتم لهو خير للصابرين
[النحل: 126]. لقد وضع الحق منهج الارتقاء بعد أن أعطى المؤمن الحق في توقيع العقاب قصاصا، وهكذا لم يقسر الله طبع الإنسان ولو أراد سبحانه ذلك لما خلق هذا الطبع إنه سبحانه يوضح لنا أن هناك انفعالا بالغيظ، وأن المؤمن عليه أن يحاول كظم الغيظ أي لا يعبر عن الغيظ نزوعيا، فإن أخرج المؤمن هذا الأمر من قلبه فمعناه أنه برئ وشفي منه وارتقى. إذن فكظم الغيظ هو ألا يعبر المؤمن عن الغيظ نزوعيا، فإن سبك أحد فأنت لا تسبه، وهذا الكظم يعني كتمان الانفعال في القلب، فإذا ارتقى المؤمن أكثر وتجاهل حتى الانفعال بذلك، فإنه يخرج الغيظ من قلبه، وهو بذلك يرتقي ارتقاء أعلى، ويصفه الحق بأنه دخول إلى مرتبة الإحسان، فهو القائل: " والله يحب المحسنين " وهكذا يحسن المؤمن إلى المسبب للغيظ بكلمة طيبة. فماذا يكون موقف الذي تسبب في غيظك أيها المؤمن وأنت قد كظمت الغيظ في المرحلة الأولى وعفوت في المرحلة الثانية وإن أخرجت الانفعال من قلبك، وصلت إلى المرحلة الثالثة وهي التي تمثل قمة الإيمان إنها الإحسان.. " والله يحب المحسنين " لابد أن يراجع المسبب للغيظ نفسه ويندم على ما فعل.
إن الإسلام لم يتجاهل المشاعر الإنسانية عندما طالب المؤمنين أن يحسنوا لمن أساء إليهم، فالذي يمعن النظر ويدقق الفهم يعرف أن الإسلام قد أعطى المؤمن الحق في الطبع البشري حين قال: