وقطعناهم في الأرض أمما..
[الأعراف: 168]. المكان الوحيد الذي آواهم في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الجزيرة العربية في يثرب، واستقروا قليلا، وصارت لهم سيادة علمية لأنهم أهل كتاب، وصارت لهم سيادة اقتصادية، وكذلك سيادة حربية، وهذا المكان الذي أواهم من الشتات في الأرض هو المكان نفسه الذي تمردوا عليه. لقد كان السبب الذي من أجله قد جاءوا إلى يثرب هو ما كانوا يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ففي التوراة جاء ما يفيد أن نبيا سيأتي في هذا المكان ولابد أن يتبعوه كالميثاق الذي قلنا عليه من قبل:
وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين
[آل عمران: 81]. وهذا الميثاق يقضي بأن يتولى الرسل بلاغ الأمم التي بعثوا إليها، وأن يبلغ أهل الإيمان القادمين من بعدهم بأن هناك رسولا قادما من عند الله بالمنهج الكامل. واليهود لم يأتوا إلى يثرب إلا على أمل أن يتلقفوا النبي المنتظر ليؤمنوا به، ومن بعد ذلك يكونون حربا على الكافرين بالله، لكن ما الذي حدث؟ إنه سبحانه يخبرنا بما حدث منهم في قوله:
فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به..
[البقرة: 89]. فماذا بعد أن باءوا بغضب من الله. وبعد أن ختم الله قالبهم بالمسكنة؟ وما السبب؟ تكون الإجابة من الحق سبحانه: ﴿ ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون الأنبيآء بغير حق ﴾ [آل عمران: 112] لقد أرسل الله لهم آيات عجيبة ولكنهم كفروا بها، تلك الآيات التي جاءنا ذكر منها في قوله الحق:
وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم..
[البقرة: 57]. كثير من الآيات أرسلها الحق لبني إسرائيل، منها ما جاء في قوله الحق:
وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا مآ ءاتينكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون
[البقرة: 63]. ولكنهم تولوا عن الإيمان وأمامهم ضرب موسى عليه السلام الحجر بالعصا فانفجرت منه عيون المياه ليشربوا.
وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم..
[البقرة: 60]. وبرغم ذلك فقد قاموا بقتل الأنبياء بغير حق. وادعوا الكذب على أنبيائهم وقتلوهم، وفي شأنهم يقول الحق: ﴿ ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون ﴾ [آل عمران: 112] كان العصيان سببا لأن تضرب عليهم الذلة، وأن يبوءوا بغضب من الله، وأن تضرب عليهم المسكنة، وكل ذلك ناشئ من فعلهم. وهناك فرق بين أن يبدأهم الله بفعل، وبين أن يعاقبهم الله على فعل، وحتى نفهم ذلك فلنقرأ قوله الحق:
فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا
[النساء: 160]. لقد حرم الله عليهم الطيبات بظلم منهم لأنفسهم، لأن معنى تحريم الطيبات أن الله حرمهم متعة في طيب، وذلك لأنهم استحلوا متعة في غير طيب لأن مرادات الشارع تأتي على عكس مرادات الخارجين عن أمر الشارع. وكما قلنا من قبل: إن الحق سبحانه وتعالى يؤرخ للحق وللواقع ولا يشملهم كلهم بحديث يجمعهم جميعا، فقد كان منهم أناس تراودهم فكرة الإيمان بالرسول، وفكرة الإيمان بالقرآن، ومنهم من آمن فعلا لذلك كان من عدل الله أن يفصل بين الذين يفكرون في الإيمان والمصرين على الكفر. لذلك يقول سبحانه: ﴿ ليسوا سوآء من أهل الكتاب أمة قآئمة يتلون آيات الله... ﴾.