تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله إن الله واسع عليم

[البقرة: 115]. نقول: إن هذه الآية تؤيد ما نقوله، فما دام لله المشرق والمغرب، فهذا هو المعنى العام، فالناس أول ما عرفوا الكون تعرفوا على المشرق والمغرب ثم الشمال والجنوب أيضا، وبعد أن توصل العلم إلى تحديد الجهات الفرعية بجانب الجهات الأصلية الأربع المعروفة عرفنا " الشمال الشرقي " و " الشمال الغربي " و " الجنوب الشرقي " و " الجنوب الغربي ". إذن فكل المتجهات لله، والاتجاه للكعبة يحقق هذا القول الكريم. وعندما يتجه إنسان إلى الكعبة فقد يكون الشرق خلفه، ويكون الغرب أمامه، ويتجه إليها إنسان آخر إلى الكعبة، فيتقابل وجهه مع وجه المتجه للكعبة، وثالث يتجه إلى الكعبة، فيكون في زاوية أخرى ناظرا إليها، وهكذا يلتف البشر من الشرق والغرب والشمال والجنوب وكل الجهات الفرعية حول الكعبة. إذن فقول الحق:

ولله المشرق والمغرب

[البقرة: 115] أي جميع الخلق متجه إلى الكعبة، وبذلك لا تكون هناك جهة أولى بالله من جهة أخرى. وأنا لا أريد أن أدخل في متاهة أن الكعبة مركز الأرض وأن الأرض خلقت منها لأن الشيء إذا كان مكورا فأي نقطة فيه تكون مركزا للجميع، لذلك فلنترك مثل هذا الكلام، لكن ألا يكفي أن يرجحها أن الله قد اختارها؟ إن ذلك يكفي وزيادة، وبذلك ينتهي الأمر، إنها كذلك لأنها بيت الله باختيار الله، وهذا يكفي. لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الأشياء التي تقف فيها العقول وليست من صلب العقائد أو الدين لا يصح أن تكون محل خلاف أو جدل. ويقول سيدنا علي كرم الله وجهه عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: سأله رجل، " أذلك أول بيت لله؟ " فوضح رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قبله بيوتا، ولكن هو أول بيت وضع للناس. وهذا إيضاح أن الله قد جعل الكعبة هي أول بيت له يتعبد فيه جنس البشر، وذلك لقول الله تعالى: ﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا وهدى للعالمين ﴾ [آل عمران: 96]. ولكن إن كانت هناك أجناس سابقة على الجنس البشري فمن المؤكد أنه كانت هناك لله بيوت لا نعرفها.

وما آدم في منطق العقل واحد

ولكنه عند القياس أوادم

ولذلك فوجود البيت الحرام كبيت لله لا يصطدم مع منطق الناس الذين لا يملكون إلا الثقافة الدينية الضحلة، فساعة أن يسمع الواحد منهم، أن هناك اكتشافا لحفريات من كذا مليون سنة فهو يتساءل قائلا: كيف وآدم لم يمر عليه ملايين السنين؟ لنفترض أن هناك خمسة أجيال لإدريس عليه السلام وثلاثة أجيال لنوح عليه السلام، وأحد عشر جيلا لإبراهيم عليه السلام وثلاثين جيلا لمحمد عليه الصلاة والسلام، وهكذا يكون الوجود البشري محددا بآلاف السنوات لا ملايينها.

لهذا الإنسان نقول: وهل قال لك أحد: إن آدم أول من عمر الأرض؟ إن الدين لم يقل ذلك، لكن الدين قال: إن آدم هو أول هذا الجنس البشري، ولكنه ليس أول من سكن الأرض، لذلك فليقل العلماء: إن عمر هذه الأرض ملايين السنين ولنسمع جميعا قول الحق تبارك وتعالى:

ألم تر أن الله خلق السماوات والأرض بالحق إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد

[إبراهيم: 19]. إذن فلا مجال لهذا البحث، لذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام:

" لا، بل قبله بيوت ".

والحق سبحانه وتعالى يقول ما يوضح أن الجن قد سكنوا الأرض قبلنا:

والجآن خلقناه من قبل من نار السموم

[الحجر: 27]. ألم يقل الحق سبحانه إن الإنسان خليفة، وردت عليه الملائكة:

وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدمآء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون

[البقرة: 30]. إن الذين قالوا ذلك ليسوا من البشر، إذن فكلام الله يؤكد أن الكعبة هي أول بيت وضع للناس، أي للجنس البشري، ولذلك فلا داعي أن نتكلم في الأشياء التي يقف فيها العقل حتى لا ندخل في متاهة. ولو كان الله قد أراد أن يعلمنا أن الكعبة هي أول بيت في الأرض لقال لنا: " إن أول بيت وضع في الأرض " ، ولم يكن قد حدد الجنس الذي وضع البيت من أجله، لكن الحق سبحانه قال: ﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ﴾ [آل عمران: 96]، ولذلك بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قبله بيوتا، ولكنه أول بيت وضع للناس. إنه جواب يتسع لكل ما يأتي به العلم. وحين ننظر إلى القول الحق: ﴿ إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا ﴾ [آل عمران: 96] ما معنى " أول "؟ إنه الابتداء، وهل كل ابتداء له انتهاء؟ لا، إن هناك أمورا لها " أول " وليس لها " آخر " ومثال ذلك العدد " واحد " وما بعده ليس له آخر، فآخر ما بعد العدد واحد هو ما يمكن الإنسان أن يحسبه عجزا في التقديرات الدشليونية ولكن ما بعد الدشليون هناك أعداد أخرى، وكان الإنسان قديما يقف عند الألف، ثم يقول عن المليون " ألف ألف " ، وكذلك الجنة لها أول وليس لها آخر. إذن فأول بيت وضعه الله للناس هو الكعبة. وعندما نرى كلمة " وضع " نجدها فعلا، ونرى أنه قد وضع للناس. وما دام هذا البيت قد وضع للناس لذلك فمن اللازم حين تأتي كلمة " ناس " أن يكون هناك " بيت " و " آدم " من الناس، ووالد كل الناس، وكان له بيت وضع له.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٨٥