تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا

[الأحزاب: 72]. إن السماء والأرض والجبال طلبوا ألا يكون لهم اختيار وأن يظلوا مقهورين لأنهم لا يضمنون لحظة الأداء، أما الإنسان فلأنه ظلوم جهول فقد قال: " لا، إنني عاقل وسأرتب الأمور " فالإنسان ظلوم لنفسه، وجهول لأنه لم يعرف ماذا يفعل وقت الأداء. لذلك نرى هنا القول الحق: ﴿ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار ﴾ [آل عمران: 75] ونجد الأمانة متعدية بالباء، فمعنى الباء - في اللغة - الإلصاق، أي التصق القنطار بأمانته، فأصبح هناك ارتباط وامتزاج، وإياك ساعة الأداء أن تفصل الأمانة عن القنطار، فساعة يغريك قنطار الذهب ببريقه فعليك أن تلصق الأمانة بالقنطار، وإياك أن يغريك القنطار فتترك أمانتك لأنك إن نظرت إلى القنطار دون أن تنظر إلى الأمانة فهذه هي الخيبة. أما استعمال " على " مع الأمانة، ف " على " في اللغة تأتي للاستعلاء والتمكن، أي اجعل الأمانة مستعلية على القنطار، وبذلك تصير أمانتك فوق القنطار، فساعة تحدثك نفسك بأن تأخذ القنطار لأنه يدير لك حركة حياتك، ولأنه يخرجك إلى دنيا عريضة مغرية فتذكر عز الأمانة، ولهذا نجد الفقهاء قد قالوا بقطع يد السارق في ربع دينار، وجعلوا دية قطع يد إنسان لم يسرق خمسمائة دينار وتساءل البعض قائلا:

يد بخمس مئين عسجد وديت

ما بالها قطعت في ربع دينار

فقال فقيه ردا على ذلك المعترض:

عز الأمانة أغلاها، وأرخصها

ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري

إذن قول الحق سبحانه وتعالى: ﴿ ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ﴾ [آل عمران: 75] هذا القول جاء بالباء ليلصق الأمانة بالمؤتمن عليه، وجاد بالمؤتمن عليه وهو القنطار وهو أضخم شيء في عالم الموازين وكان من الذهب وهو أثمن المعادن وأغلاها ليؤكد على كل مؤتمن أن يلصق الأمانة بما أؤتمن عليه ولا يفصل بينهما أبدا لأنه لو فصل الأمانة وعزها عن القنطار ربما سولت له نفسه أن يأخذ القنطار ويترك الأمانة. وكذلك عندما تأتي الأمانة متعدية بعلى، تكون الأمانة فوق الشيء المؤتمن عليه، فالأمانة يجب أن تكون مستعلية على الشيء مهما غلت قيمته، ويقول الحق من بعد ذلك: ﴿ ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما ﴾ [آل عمران: 75] أي أن تكون دائم السؤال عن دينارك الذي ائتمنت عليه ذلك الإنسان، وأن تلح في طلب دينارك. ومن بعد ذلك يقول الحق: ﴿ ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ﴾ [آل عمران: 75] وقد قام بعض من بني إسرائيل على عهد رسول الله، يخديعة الأميين من العرب المؤمنين فأنكروا حقوقهم. والمقصود بالأميين هنا المؤمنون الذين لم يكونوا من أهل الكتاب، أو هم المنسوبون إلى الأم كما قال الحق:

والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون

[النحل: 78]. أو أن يكون المقصود " بالأميين " أهل مكة، فقد كانوا يسمونهم كذلك لأنهم منسوبون إلى أم القرى " مكة المكرمة ". من أين جاء أهل الكتاب إذن بهذا الأسلوب المزدوج في معاملة الناس؟ ومن الذي وضع هذا المنهج الذي يقضي بخديعة المؤمنين الأميين؟ وهل الفضائل ومنازل الخلق تختلف في المعاملة من إنسان إلى آخر؟ وهل يقضي الخلق القويم أن يأخذ إنسان الأمانة وينكرها إذا كانت لرجل أمي؟ ويرد الأمانة ويعترف بها إن كانت ليهودي؟ هل يصح أن يقرض إنسان أمواله بالربا لغير اليهود، ويقرض اليهود دون ربا؟ إذن تكون هذه المعاملات مجحفة، هنا فضيلة، وهناك لا فضيلة، لا، إن القضية يجب أن تكون مستوية ومكتملة في كل وقت وكل زمان ولكل إنسان، ولا ينبغي أن تتنوع. من أين إذن جاءوا بهذا القول وهم أهل كتاب؟ إن هذا ضد منهج الكتاب الذي أنزله الله عليهم بل هو من التحريف والتحوير لقد خدعوا أنفسهم وألصقوا بالتشريع ما ليس فيه، فالكتاب السماوي الذي نزل عليهم ليس به تصنيف البشر صنفين: صنف هم أهل الكتاب ولهم معاملة خاصة، وصنف هم الأميون ولهم معاملة أخرى، وكان عليهم ان يتعلموا من عدالة رسول الله صلى الله عليه وسلم في معاملتهم. لقد أرخ لهم رسول الله بالنص المنزل عليه من الله التأريخ الصادق والعادل، في هذا القول الكريم الذي نتناوله بالخواطر إنما يسجل تاريخ اليهودية مع الإسلام. وهذا التأريخ لم يصدر فيه الله حكما واحدا يشملهم جميعا، بل أنصف أصحاب الحق منهم، وإن كانوا على دين اليهودية، وبذلك استقر في أذهان المنصفين منهم أن الإسلام قد جاء بكل الحق، فلو كان الإسلام قد أصدر حكما واحدا ضد كل اليهود سواء من وقف منهم ضد دعوة رسول الله أو المنصف منهم الذي تراوده فكرة الإيمان بالإسلام، لو كان مثل ذلك الحكم العام الشامل قد صدر لقال المنصفون من اليهود: نحن نفكر في أن نؤمن بالإسلام فكيف يهاجمنا الإسلام هذه المهاجمة؟ لكن الإسلام جاء لينصف فيعطي كل ذي حق حقه. وهؤلاء هم الذين يؤرخ الله لهم بالقول: ﴿ من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ﴾ [آل عمران: 75] وتلك شهادة على صدق اليقين من هؤلاء، أما الذين طغت عليهم المادية فهؤلاء هم الذين جاء فيهم القول الحكيم: ﴿ ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قآئما ﴾ [آل عمران: 75] وهذا هو التأريخ الصادق لمن طغت عليهم المادة فلا يرد الإنسان منهم ما عليه إلا بعد الملاحقة والمطاردة، وهكذا يبلغنا القرآن التاريخ بصدق. والعلة في أن الذي يؤتمن على قنطار يؤديه، والذي يؤتمن على دينار لا يؤديه هي علة واضحة فالمؤتمن على قنطار ويؤديه هو إنسان ملتزم أمام إله موصوف باسم الحق، ولا يريد الله من عباده إلا أن يواجهوا حركة حياتهم بالحق.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٤٧