" " أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون فيه نساءكم وأبناءكم " فأخذ الداء بن معرور بيده ثم قال: " نعم والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا " فبايعوا رسول الله على ذلك فقام أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين اليهود حبالا وإنا قاطعوها فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا "؟ فتبسم رسول الله ثم قال: " بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم " أي ذمتي ذمتكم وحرمتي حرمتكم ".
أقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنكم ستمتلكون الأرض وستسودون الدنيا، أو ستنتصرون على أعدائكم؟ لا. بل قال صلى الله عليه وسلم أنا منكم وأنتم مني. لماذا؟ لأنه لو قال لهم ستنتصرون على أعدائكم، فقد يدخلون المعركة، ويموت واحد منهم ولا يرى النصر، لكن الأمر الذي سيراه كل المؤمنين أن رسول الله منهم وأنهم من رسول الله وما داموا كذلك فسيدخلون معه الجنة وهي الغاية الأصيلة. وعندما سأل عيسى ابن مريم ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ [آل عمران: 52] فكأنه كان يسأل: من يعينني معونة غايتها الله؟ ولماذا نأخذ هذا المعنى؟ تكون الإجابة: أنا آخذ المعنى على قدر ذهني لأن مرادات الله في كلماته لا تتناهى كمالا، وقد يأتي غيري ويأخذ منها معنى آخر. ومعنى " النصير ": هو " من ينصر بجهد وقوة ". وننظر النصر في الإيمان كيف يأتي؟ إن الحق سبحانه وتعالى حينما تكلم عن النصر في الإيمان قال:
يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم
[محمد: 7]. إذن فالنصر منا لله بأن نطبق دينه، وهذا مراد الله، ولذلك يأتي النصر مرة من المؤمن لربه، ومرة من الرب لمربوبه، وقد يكون مراد عيسى - عليه السلام - من الذي ينصرني كي ينضم إلى الله في النصر؟ ونحن هنا أمام معسكرين معسكر الإيمان، ومعسكر الكفر. لقد سأل عيسى ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ [آل عمران: 52] أي أنه يسأل عن الذين بإمكانهم أن ينضموا إلى غاية هي الله ونتفهم نحن هذا المعنى على ضوء ما قاله الحق:
يأيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم
[محمد: 7]. ونعرف أيضا أن هناك نصرا من المؤمن لله، وهناك نصر من الله للمؤمن. وهكذا يكون سؤال عيسى ابن مريم ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ [آل عمران: 52]؟ قد أفاد المعنيين معا. وكانت الإجابة: ﴿ قال الحواريون نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ﴾ [آل عمران: 52]. والحواريون مأخوذة من الحور، وهو شدة البياض وهم جماعة أشرقت في وجوههم سيماء الإيمان فكأنها مشرقة بالنور.
ونور الوجه لا يقصد به البشرة البيضاء، ولكن نور الوجه في المؤمن يكون بإشراقة الإيمان في النفس، ولذلك يصف الحق المؤمنين برسالة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود..
[الفتح: 29]. فحتى لو كان المؤمن أسود اللون فإن له سمة على وجهه. كيف ولماذا؟ لأن الإنسان مكون من أجهزة، ومكون من ذرات، وكل جهاز في الإنسان له مطلوب محدد وساعة أن تتجه كل الأجهزة إلى ما أراده الله، فإن الذي يحدث للإنسان هو انسجام كل أجهزته، وما دامت الأجهزة منسجمة فإن النفس تكون مرتاحة، ولكن عندما تتضارب مطلوبات الأجهزة، تكون السحنة مكفهرة. عندما قال عيسى: ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ [آل عمران: 52] سمع الاستجابة من الحواريين، والحواريون قوم لهم إشراقات انسجام النفس مع الإيمان، أو هم قوم بيض المعاني أي أن معانيهم بيضاء ومشرقة. والنبي صلى الله عليه وسلم سمى بعضا من صحابته حواري رسول الله وهم الذين جعلهم رسول الله معه طوال الوقت. وحين قال الحواريون: ﴿ نحن أنصار الله ﴾ [آل عمران: 52] كان ذلك يعني أن كل إنسان منهم يريد نصرة الله. فينضم إلى الله ناصرا للمنهج وهذا يتطلب أن يعرف كل منهم المنهج. ونحن نعرف مقومات النصرة لله. إنه الإيمان: وما الإيمان؟ إنه اطمئنان القلب إلى قضية ما، هذا هو الإيمان في عمومه. فلو لم أكن مؤمنا بأن الطريق الذي أسير فيه موصل إلى غاية مطلوبة لي لما سرت فيه. مثال ذلك المسافر من القاهرة إلى دمياط لو لم يعتقد صحة الطريق لما سلك هذا الطريق، وإن لم اعتقد أنني إن لم أذاكر دروسي سوف أرسب لما ذاكرت. إذن فكل أمر في الدنيا يتم بناؤه على الإيمان، لكن إذا أطلق الإيمان بالمعنى الخاص، فهو اطمئنان القلب إلى قمة القضايا، وهي الإيمان بالله، لذلك فأسلحة النصر إلى الله هي: إسلام كل جوارح الإنسان إلى الله. ولذلك قال الحواريون: ﴿ نحن أنصار الله آمنا بالله واشهد بأنا مسلمون ﴾ [آل عمران: 52]. لماذا يشهد الرسول لهم؟ لأن المفروض في الرسول أن يبلغ القوم عن الله، فيشهد عليهم كما قال الله سبحانه وتعالى: