فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون
[الجمعة: 10]. لقد أخرجنا من الصلاة إلى الحياة نبتغي من فضل الله، ولذلك يكون الانتشار في الأرض والبحث عن الرزق عبادة. ولننظر إلى الدقة في قوله الحق: " فانتشروا في الأرض " إن الانتشار يعني أن ينساح البشر لينتظموا في كل حركات الحياة، وبذلك تعمر كل حركة فيها. إن كل حركة في الحياة هي عبادة، وهكذا نستوعب قوله الحق على لسان عيسى ابن مريم: " إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم " ومن بعد ذلك يقول الحق: " فلما أحس عيسى منهم الكفر " لقد حسم عيسى بن مريم أمر العقيدة حينما قال: " إن الله ربي وربكم " إن في ذلك تحذيرا من أن يقول أتباع عيسى أي شيء آخر عن عيسى غير أنه عبد الله خاضع لله، مأمور بالطاعة والعبادة لله. ووضع أمامهم المنهج، فقال: " هذا صراط مستقيم ". وقول الحق: ﴿ فلمآ أحس عيسى منهم الكفر ﴾ [آل عمران: 52] يدل على أن كل صاحب فكرة، وكل صاحب مهمة، وكل صاحب هدف لا بد أن يكون يقظ الأحاسيس، لأن صاحب الفكرة وخاصة الدينية يخرج الناس من الظلمات إلى النور. وقد يقول قائل: لماذا يعيش الناس في الظلام ولا يتجهون إلى النور من أول الأمر؟ وتكون الإجابة: إن هناك أناسا يستفيدون من وجود جموع الناس في الظلمات، لذلك يكون بينهم أناس ظالمون وأناس مظلومون، والظالم الذي يأخذ - اغتصابا - خير الآخرين ويعربد في الكون يخاف من رجل الدعوة الذي ينهاه عن الظلم ويدعوه إلى الهداية إلى منطق العقل، ومثل هذا الظالم عندما يسمع كلمة المنطق والدعوة إلى الإيمان لا يحب أن تنطق هذه الكلمة، إنه يكره الكلمة والقائل لها.
إن الداعية مأمور من الله بأن يكون يقظا لأنه إن اهتدى بكلماته أناس وسعدوا بها، فإنه يغضب أناسا آخرين، ذلك أن المجتمع الفاسد يوجد به المستفيدون من الفساد، فالداعية عليه أن يعرف يقظة الحس، ويقظة الحس معناها الالتفاف إلى الأحاسيس الخفية الموجودة عند كل إنسان، ونحن نسمى الأشياء الظاهرة منها الحواس الخمس، اللمس، والرؤية، والسمع، والتذوق، والشم. إن رجل الدعوة مأمور بأن تعمل كل حواسه حتى يعرف من الذي يجبن ويرتجف لحظة أن تأتي دعوة الخير، ومن الذي يطمئن ويحسن الراحة لدعوة الخير. إن رجل الدعوة مأمور بدقة اليقظة والإحساس ليميز بين الذي تتغير سحنته لحظة دعوة الخير، ومن الذي يستبشر ويفرح. وعندما أعلن عيسى ابن مريم منهج الحق، وجد أنصار الظلم وأنصار البغي، وأنصار الظلمات غير معجبين بالمنهج الواضح للإيمان بالله، لذلك أحس منهم الكفر لقد كان مليئا باليقظة والانتباه. إنه يعلم أنه قد جاء برسالة من الله ليخرج أناسا من مفسدة إلى مصلحة. وعندما أحس منهم الكفر، أراد أن ينتدب جماعة ليعينوه على أمر الدعوة. ﴿ قال من أنصاري إلى الله ﴾ [آل عمران: 52]؟ إن الدعوة تحتاج إلى معركة، والمعركة تحتاج إلى تضحية. والتضحية تكون بالنفس والنفيس، لذلك لا بد أن يستثير ويحرك من يجد في نفسه العون على هذه المسألة. وهو لم يناد أفرادا محددين، إنما طرح الدعوة ليأتي الأنصار الذين يستشرفون في أنفسهم القدرة على حمل لواء الدعوة، ولتكون التضحية بإقبال نفس لا استجابة لداع. ﴿ فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله ﴾ [آل عمران: 52] وكلمة " أنصار " هي جمع " نصير ". والنصير هو المعين لك بقوة على بغيتك. وعندما سأل عيسى: ﴿ من أنصاري إلى الله ﴾ [آل عمران: 52]؟ كانت إلى في السؤال تفيد الغاية، وهي الله، أي من ينصرني نصرا تصير غايته إلى الله وحده لا إلى أهواء البشر؟ إنه لا يسأل عن أناس يدخلون في لواء الدعوة من أجل الغنيمة أو يدخلون من أجل الجاه أو غير ذلك إنه يسأل عن أهل العزم ليكون كل منهم متجها بطاقته إلى نصرة الله وحده. ومثال ذلك ما دار بين رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم وبين رجال من المدينة في أثناء مبايعتهم له في العقبة فقد قال لهم رسول الله: