يرزق من يشآء بغير حساب
[آل عمران: 37]. ولنا أن نقول: أكنت تحب أن يمر مثل هذا الأمر الخارق للعادة والخارق للناموس على سيدنا زكريا كأنه أمر عادي لا يندهش له ولا يتعجب؟ لا، لا بد أن يندهش ويتعجب لذلك قال: ﴿ رب أنى يكون لي غلام ﴾ [آل عمران: 40]. فكأن الدهشة لفتته إلى أنه ستأتي آية عجيبة، ولو لم تكن تلك الدهشة لكانت المسألة رتيبة وكأنها أمر عادي. إذن، فهو يلفتنا إلى الأمر العجيب الذي خصه الله به. وأيضا جاءت المسألة على خلاف ناموس التكاثر والإنجاب والنسل: ﴿ وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ [آل عمران: 40]. إن المسألة كلها تفضل وهبة من الله. فلما جاءته البشارة، لم يقل الله له: إنني سأهبك الغلام واسمه يحيى من امرأتك هذه، أو وأنت على حالتك هذه. فيتشكك ويتردد ويقول: أترى يأتي الغلام الذي اسمه " يحيى " مني وأنا على هذه الحالة، امرأتي عاقر وأنا قد بلغت هذا الكبر، أو ربما ردنا الله شباب حتى نستطيع الإنجاب، أو تأتي امرأة أخرى فأتزوجها وأنجب. إذن فالعجب في الهيئة التي سيصير عليها الإنجاب فقوله: ﴿ أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ﴾ [آل عمران: 40] هذا التساؤل من زكريا يهدف به إلى معرفة الهيئة أو الحالة التي سيأتي بها الإنجاب، لأن الإنجاب يأتي على حالات متعددة.
فلما أكد الله ذلك قال: " كذلك " ماذا تعني كذلك؟ إنها تعني أن الإنجاب سيأتي منك ومن زوجك وأنتما على حالكما، أنت قد بلغت من الكبر عتيا، وامرأتك عاقر. لأن العجيبة تتحقق بذلك، أكان من المعقول أن يردهما الله شبابا حتى يساعداه أن يهبهما الولد؟ لا. لذلك قال الحق: ﴿ كذلك الله يفعل ما يشآء ﴾ [آل عمران: 40]. أي كما أنتما، وعلى حالتكما. لقد جعل الحق الآية ألا يكلم زكريا الناس ثلاثة أيام إلا بالإشارة، وقد يكون عدم الكلام في نظر الناس مرضا.. لا، إنه ليس كذلك، لأن الحق يقول له: ﴿ واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشي والإبكار ﴾ [آل عمران: 41] إن الحق يجعل زكريا قادرا على التسبيح، وغير قادر على الكلام. وهذه قدرة أخرى من طلاقة قدرة الله، إنه اللسان الواحد، غير قادر على الكلام، ولو حاول أن يتكلم لما استطاع، ولكن هذا اللسان نفسه - أيضا - يصبح قادرا فقط على التسبيح، وذكر الله بالعشي والإبكار، ذكر الله باللسان وسيسمعه الناس، وذلك بيان لطلاقة القدرة. وبعد ذلك ينتقل بنا الحق إلى مسألة أخرى تتعلق بمريم، لأن مريم هي الأصل في الكلام، فالرزق الذي كان يأتيها من الله بغير حساب هو الذي نبه سيدنا زكريا إلى طلب الولد، وجاء الحق لنا بقصة زكريا والولد، ثم عاد إلى قصة مريم: ﴿ وإذ قالت الملائكة يمريم إن الله اصطفاك... ﴾.