تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكأن التجربة قد أراد الله أن تكون من ذاتها لذاتها لأنها ستتعرض لشيء يتعلق بعرض المرأة، فلا بد أن تعلم مسبقا أن الله يرزق من يشاء بغير حساب، وبدون أسباب. فإن جاءت بولد بدون سبب من أبوة لتعلم أن الله يرزق من يشاء بغير حساب. فلما سمع زكريا منها ذلك قال: ما دام الله يرزق من غير حساب ويأتي بالأشياء بلا أسباب فأنا قد بلغت من الكبر عتيا، وامرأتي عاقر، فلماذا لا أطلب من ربي أن يهبني غلاما؟ إذن فمقولة مريم:

إن الله يرزق من يشآء بغير حساب

[آل عمران: 37] قد لفتت زكريا، ونبهت إيمانا موجودا في أعماقه وحاشية شعوره، ولا نقول أوجدت إيمانا جديدا لزكريا بأن الله يرزق من يشاء بغير حساب، ولكنها أخرجت القضية الإيمانية من حاشية الشعور إلى بؤرة الشعور، فقال زكريا: ما دام الأمر كذلك فأنا أسأل الله أن يهبني غلاما.. وقول زكريا:

هب لي من لدنك ذرية طيبة

[آل عمران: 38] دل على أنه وزوجته لا يملكان اكتساب الأبوة والأمومة ولذلك طلب الهبة من الله. والهبة شيء بدون مقابل. فلما سأل الله ذلك استجاب الله له، وقال له سبحانه: سأهبك غلاما بدون أسباب من خصوبتك في التلقيح أو خصوبة الزوجة في الحمل، وما دامت المسألة ستكون بلا أسباب وأنا - الخالق - سأتولى الإيجاب ب " كن " ولمعنى سام شريف سأمنحكم شيئا آخر تقومون به أنتم معشر الآباء والأمهات - عادة - إنه تسمية المولود، فأفاض الحق عليهم نعمة أخرى وهي تسمية المولود بعد أن وهبه لهما.. هنا وقفة عند الهبة بالاسم.

فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين

[آل عمران: 39]. حين يولد للناس ولد فهم يسمونه، فالتسمية أمر شائع في عادات الناس. ولكن من يهمهم أمر الوليد حينما يقبلون على تسميته فهم يحاولون أن يتفاءلوا فيسموه اسما يرجون أن يتحقق في المسمى، فيسمونه " سعيدا " أملا في أن يكون سعيدا، أو يسمونه " فضلا " أو يسمونه " كريما ". إنهم يأتون بالاسم الذي يحبون أن يجدوا وليدهم على صفته وذلك هو الأمل منهم ولكن أتأتي المقادير على وفق الآمال؟ قد يسمونه سعيدا، ولا يكون سعيدا. ويسمونه فضلا، ولا يكون فضلا. ويسمونه عزا، ولا يكون عزا. ولكن ماذا يحدث حين يسمي الله سبحانه وتعالى؟ لا بد أن يختلف الموقف تماما، فإذا قال اسمه " يحيى " دل على أنه سيعيش. وقديما قال الشاعر حينما تفاءل بتسمية ابنه يحيى:

فسميته يحيا ليحيا

فلم يكن لرد قضاء الله فيه سبيل

كان الشاعر قد سمى ابنه يحيى أملا أن يحيا، ولكن الله لم يرد ذلك، فمات الابن.

لماذا؟ لأن المسمي من البشر ليس هو الذي يحيي، إن المسمي إنسان قدرته عاجزة، ولكن " المحيى " له طلاقة القدرة، فحين يسمى من له طلاقة القدرة على إرادة أن يحيا فلا بد من أن يحيا حياة متميزة؟ وحتى لا تفهم أن الحياة التي أشار الله إليها بقوله: " اسمه يحيى " بأنها الحياة المعروفة للبشر عادة - لأن الرجل حينما يسمى ابنه " يحيى " يأمل أن يحيا الابن متوسط الأعمار، كما يحيا الناس ستين عاما، أو سبعين، أو أي عدد من السنوات مكتوبة له في الأزل. لكن الله حينما يسمي " يحيى " فانه لا يأخذ " يحيى " على قدر ما يأخذه الناس، بل لا بد أن يعطيه أطول من حدود أعمار الناس، ويهيىء له الحق من خصومه ومن أعدائه من يقتله ليكون شهيدا، وهو بالشهادة يصير حيا، فكأنه يحيا دائما، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون. وهكذا أراد الله ليحيى عليه السلام أن يحيا كحياة الناس، ويحيا أطول من حياة الناس إلى أن تقوم الساعة، وأيضا نأخذ ملحظا في أن زكريا حينما بشر بأن الله سيهبه غلاما ويسميه يحيى، نجده قد استقبلها بالعجب. كيف يستقبل زكريا مسألة الرزق بالولد متعجبا مع أنه رآها في الرزق الذي كان يجده عند مريم؟

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٦٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٦٠١