فلو فطن كل واحد أن يسأل أهله ومن يدخلون في كفالته - " من أين لك هذا؟ " لعرف كل تفاصيل حركتهم، لكن لو ترك الحبل على الغارب لفسد الأمر. وقول زكريا: " أنى لك هذا؟ " هو سؤال محدد عن مصدر هذا الرزق، ولننظر إلى إجابتها: ﴿ قالت هو من عند الله ﴾ [آل عمران: 37] ثم لا تدع البديهة الإيمانية عند سيدنا زكريا دون أن تذكره أنها لا تنسى حقيقة واضحة في بؤرة شعور كل مؤمن: ﴿ إن الله يرزق من يشآء بغير حساب ﴾ [آل عمران: 37] وأثارت هذه المسألة في نفس زكريا نوازع شتى إنها مسألة غير عادية، لقد أخبرته مريم أن الرزق الذي عندها هو من عند الله الذي يرزق من يشاء بغير حساب، إنه الإله هو القادر على أن يقول: " كن " فيكون. وهنا ذكر زكريا نفسه، وكأن نفسه قد حدثته: " إذا كانت للقدرة طلاقة في أن تفعل بلا أسباب، وتعطي من غير حساب، فأنا أريد ولدا يخلفني، رغم أنني على كبر ورغم بلوغي من السن عتيا، وامرأتي عاقر. إن مسألة الرزق الذي وجده زكريا كلما دخل على مريم هي التي نبهت زكريا إلى ما يتمنى ويرغب. ونحن نعلم أن المعلومات التي تمر على خاطر النفس البشرية كثيرة، ولكن لا يستقر في بؤر الشعور إلا الذي يصر عليه الإنسان، وهناك فرق بين معلومات توجد في بؤرة الشعور. ومعلومات في حاشية الشعور يتم استدعاؤها عند اللزوم، فلما وجد زكريا الرزق المنوع عند مريم وقالت له عن مصدره: ﴿ هو من عند الله إن الله يرزق من يشآء بغير حساب ﴾ [آل عمران: 37]. هنا تساءل زكريا: كيف فاتني هذا الأمر؟ ولذلك يقول الحق عن زكريا: ﴿ هنالك دعا زكريا ربه... ﴾.
خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٩٧
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٩٧
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي