وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون
[الأنفال: 60]. إن الحق لم يقل: " أعدوا لهم ما تغلبونهم به " ، ولكنه قال: " أعدوا لهم ما استطعتم ". إن على المؤمن أن يعمل ما في استطاعته، وأن يدع الباقي لله، ولذلك فهناك قضية قد يقف فيها العقل، ولكن الله يطمئننا أي: لا تخافوا ولا تظنوا أن أعدادهم الكبيرة قادرة على أن تهزمكم، ولا تسأل: " ماذا أفعل يا الله "؟ لقد علمنا الحق ألا نقول ذلك، وعلمنا ما يحمينا من هذا الموقف لذلك قال:
سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان
[الأنفال: 12]. إذن فساعة يلقي الله في قلوب الذين كفروا الرعب فماذا يصنعون مهما كان عددهم أو عدتهم؟ أليس في ذلك نهاية للمسألة؟ إن الرعب هو جندي ضمن جنود الله، ولذلك فعلى المؤمن ألا يوالي الكافرين من دون المؤمنين، لماذا؟ حتى لا ينطبق عليه القول الحق: ﴿ ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ﴾ [آل عمران: 28] ويضع الحق بعد ذلك الاستثناء: ﴿ إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ﴾ [آل عمران: 28].
إن الحق سبحانه وتعالى يعطي المنهج للإنسان وهو من خلقه سبحانه، ويعرف كل غرائزه، وانفعالاته، وفكره، وفي أنه قد تأتي له ظروف أقوى من طاقته، لذلك يعامل الحق الإنسان على أنه مخلوق محدود القدرات وفي موضع آخر جاء الحق باستثناء آخر فقال:
ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد بآء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير
[الأنفال: 16]. إن الحق يقول في هذا الموضع من سورة آل عمران: ﴿ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أوليآء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة ﴾ [آل عمران: 28]. " وتقاة " مأخوذة من " الوقاية ". إنهم قد يكونون أقوياء للغاية، وقد لا يملك المؤمن بغلبه الظن في أن ينتصر عليهم وهم الكافرون، فلا مانع من أن يتقي المؤمن شرهم. إن التقية رخصة من الله، روي: أن مسيلمة الكذاب جاء برجلين من المسلمين وقال لواحد منهما: " أتشهد أن محمدا رسول الله "؟ قال المؤمن " نعم ": قال مسيلمة: " وتشهد أني رسول الله؟ " قال المؤمن: " نعم ". وأحضر مسيلمة المسلم الآخر وقال له: " أتشهد أن محمدا رسول الله؟ " قال المؤمن: " نعم ". قال مسيلمة: " أتشهد أني رسول الله؟ " قال المؤمن الثاني: " إني أصم " كيف رد عليه المؤمن بدعوى الصمم؟ لقد علم مسيلمة أنه يدعي الصمم، ولذلك أخذه وقتله، فرفع الأمر إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فماذا قال؟ قال صلى الله عليه وسلم:
" أما المقتول.. فقد صدع بالحق فهنيئا له، وأما الآخر فقد أخذ برخصة الله "
فالتقية رخصة، والإفصاح بالحق فضيلة.. وعمار بن ياسر أخذ بالرخصة وبلال بن رباح تمسك بالقرعة. ولننظر إلى حكمة التشريع في هذا الأمر. إن كل مبدأ من مبادئ الخير جاء ليواجه ظاهرة من ظواهر الشر في الوجود، وهذا المبدأ يحتاج إلى منهج يأتي من حكيم أعلى منه، ويريد صلابة يقين، وقوة عزيمة، كما يريد تحمل منهج، فالتحمل إنما يكون من أجل أن يبقى المنهج للناس، والعزيمة من أجل أن يواجه المؤمن الخصوم، فلو لم يشرع الله التقية بقوله:
إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان..
[النحل: 106]. لكنا حقيقة سنحقق الفدائية التي تفدي مناهج الحق بالتضحية بالحياة رخيصة في سبيل الله، ولكن هب ان كل مؤمن وقف هذا الموقف فمن يحمل علم الله إلى الآخرين؟ لذلك يشرع الحق سبحانه وتعالى التقية من أجل أن يبقى من يحمل المنهج، إنه يقرر لنا الفداء للعقيدة، ويشرع لنا التقية من أجل بقاء العقيدة.