تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وعلى ذلك نفهم قول الحق: " أأسلمتم " ولذلك نقرأ قول الحق سبحانه بعد الكلام عن الخمر:

إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون

[المائدة: 91]. إن قول الحق: " فهل أنتم منتهون " يتضمن استفهاما، والاستفهام هنا يعني الأمر بالانتهاء. وفي مجال الآية التي نتعرض لها بالخواطر نجد قول الحق: " أأسلمتم " تعني الدعوة للإسلام، أي " أسلموا " وجاء بعد ذلك قول الحق الكريم: ﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ [آل عمران: 20] ومعنى " اهتدوا " أنهم عرفوا الطريق الموصل للغاية التي خلق الله من أجلها الإنسان. وهنا يجب أن نعلم أن كلمة " الإسلام " هنا جاءت لتدل على الخضوع والخضوع لا يلمح إلا من خاضع، وعملية الخضوع تعرف بالحركة والسلوك، ولا تعرف فقط بالاعتقاد، ولذلك فالإمام علي كرم الله وجهه الذي أوتي شيئا من نفح النبوة في الأداء الإيماني بالأسلوب البياني الجميل قال الإمام علي لإخوانه: سأنسب الإسلام نسبا لم ينسبه قبلى أحد: الإسلام هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل، والمؤمن يعرف إيمانه بالعمل. ونحن في حياتنا العادية نسأل: ما نسب فلان؟ أي أننا نسأل " هو ابن من "؟ ومعنى كلمة " نسابة " عند العرب هو الرجل الذي يعرف سلسلة النسب، ومن ابن من، ففلان ابن فلان ابن فلان، ابن فلان. والإمام علي كرم الله وجهه، حين ينسب الإسلام ينسبه بالفعل إلى نسب لم ينسبه قبله أحد. وحين ينتهي الإمام علي كرم الله وجهه إلى أن نسب الإسلام إلى العمل قال: المؤمن يعرف إيمانه بالعمل، فالدليل الصحيح على إيمان المؤمن هو عمله ويضيف الإمام علي كرم الله وجهه: والكافر يعرف كفره بالإنكار، وإن المؤمن قد أخذ دينه من ربه، ولم يأخذه برأيه. والسيئة في الإسلام خير من الحسنة في غيره لأن السيئة في الإسلام تغفر، والحسنة في غيره لا تقبل لأن الكفر يصاحبها بالله هل هناك نسب للإسلام أروع من هذا؟ وهكذا نجد القول الكريم: ﴿ فإن أسلموا فقد اهتدوا ﴾ [آل عمران: 20]. والمقابل للإسلام يأتي بعد ذلك: ﴿ وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ﴾ [آل عمران: 20] إن المقابل هو " تولوا " أي لم يسلموا، إنه الحق ينبه رسوله ألا يحزن وألا يأسف إن تولوا كما جاء في قوله الكريم:

فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا

[الكهف: 6]. لماذا؟ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم عليه البلاغ فقط، وما دام قد جاء في صدر الآية: ﴿ أسلمت وجهي لله ومن اتبعن ﴾ [آل عمران: 20] فإن البلاغ أيضا يشمل النبي صلى الله عليه وسلم ومن اتبعه، ولذلك تأتي آية أخرى لتشرح هذه القضية الإيمانية، ولتبقى الرسالة في أمته صلى الله عليه وسلم، ولتخبرنا أيضا لماذا لم يعد هناك داع لوجود أنبياء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك أن المؤمنين برسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم أمناء على أن يعدلوا فساد السلوك في الكون، فلم يعد العالم في حاجة إلى أنبياء جدد، ولهذا السبب قال الرسول: صلى الله عليه وسلم:

" العلماء ورثة الأنبياء ".

إذن " فعليك البلاغ " نأخذ منها الفهم الواضح أن البلاغ لا تنتهي مهمته عند الرسول صلى الله عليه وسلم، إنما يشمل كل عالم بالبلاغ الذي وصل إلى رسول الله وآمن به، فقد كان لهم في رسول الله أسوة حسنة، ويوضح الحق ذلك في آية أخرى:

كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون

[آل عمران: 110]. ويقول الحق في آية أخرى:

وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهدآء على الناس فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٦٣