تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذا جآءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله

[المنافقون: 1]. تلك نسبة كلامية صدرت منهم، فهل هي مطابقة للواقع أم هي مخالفة له؟ إنها مطابقة للواقع. ويؤكد الحق ذلك بقوله:

والله يعلم إنك لرسوله

[المنافقون: 1]. وبعد ذلك يقول الحق سبحانة:

والله يشهد إن المنافقين لكاذبون

[المنافقون: 1]. ففيم كذب المنافقون؟ هل كذبوا في قولهم: " إنك لرسول الله "؟ لا. إن الحق لم يكذبهم في قولهم: " إنك لرسول الله " لأن الله قد أيد هذه الحقيقة بقوله: " والله يعلم إنك لرسوله ".

ولكن كذبهم الله فيما سها عنه المستشرق الناقد عندما قالوا: " نشهد إنك لرسول الله ". لقد كذبهم الله في شهادتهم، لا في المشهود به، وهو أن محمدا صلى الله عليه وسلم رسول من الله، إن الله يعلم أن محمدا رسوله المبعوث منه رحمة للعالمين، لكن الكذب كان في شهادتهم هم. إن كلام المنافقين مردود من الله. لماذا؟ لأن الشهادة تعني أن يواطئ اللسان القلب ويوافقه. وقولهم: شهادة لا توافق قلوبهم وتعني كذبهم. إذن، فالتكذيب هو لشهادتهم، فلو قالوا: " إنك لرسول الله " دون " نشهد " لكان قولهم: قضية " سليمة ". ولذلك كان تكذيب الله لشهادتهم، ومن هنا ندرك السر في قول الله: " والله يعلم إنك لرسوله ". إن الحق يؤكد الأمر المشهود به وهو بعث محمد رسولا من عند الحق، وبعد ذلك يأتي لنا الحق بشهادته إن المنافقين كاذبون في قولهم: " نشهد ". فالصدق أن تطابق النسبة الكلامية الواقع. والصدق - كما قلنا من قبل - حق، والحق لا يتعدد، وضربت من قبل المثل بأن الإنسان الذي نطلب منه أن يروي واقعة شهدها بعينيه، وأن يحكيها بصدق لن يتغير كلامه أبدا، مهما تكرر القول أو عدد مرات الشهادة. لكن إن كانت الواقعة كذبا، فالراوي تختلط عليه أكاذيبه، فيروي الواقعة بألوان متعددة لا اتساق فيها، وقد ينسى الراوي الكاذب ماذا قال في المرة الأولى، وهكذا ينكشف سر الكذب. لكن الراوي عن واقع مشهود وبصدق، هو الذي يحكي، وهو الذي لا تختلف رواياته في كل مرة عن سابقتها بل تتطابق. فعندما نقول: " إن زيدا مجتهد " ، فهذا يعني أن اجتهاد زيد قد حدث أولا، ثم يأتي في ذهن من رأى اجتهاد زيد أن يخبر بأمر اجتهاده، ثم يخبر بالكلام عن اجتهاد زيد. إن الأمر الخارج وهو اجتهاد زيد قد حدث أولا، وبعد ذلك تأتي النسبة الذهنية، وبعد ذلك تأتي النسبة الكلامية. ولكن الإنشاء وهو ضد الخبر، هو أن نطلب من واحد أن ينشئ أمرا لا واقع له، كأن نقول لواحد: اجتهد. إننا قبل أن نقول لإنسان ما: " اجتهد " فمعنى ذلك أن الاجتهاد كان أمرا في ذهن القائل، وعندما ينطقها تصبح " نسبة كلامية ". وبعد ذلك يحدث الواقع، بعد النسبة الذهنية، والنسبة كلامية، وهذا هو الإنشاء. إن الإنشاء الطلبي يعني أن تحدث النسبة الخارجية بعد النسبة الكلامية. والصادقون هم الذين أراد الله أن يمدحهم، لماذا؟ وأين هو مجال صدقهم؟ إنهم الذين تتطابق حركتهم مع منهج الله، لأنهم حين قالوا: " لا إله إلا الله " ، وآمنوا به، فهم قد التزموا بكل مطلوبات الإيمان قدر الطاقة.

ومعنى " لا إله إلا الله " أي لا معبود إلا الله. ومعنى لا معبود إلا الله أي أنه لا طاعة إلا لله. والطاعة - كما نعرف - هي امتثال أمر، وامتثال نهي. إذن فمجال " لا إله إلا الله " يشمل أنه لا معبود بحق إلا الله، ولا مطاع في تكليفه إلا الله، ولا امتثال لأمر أو لنهي إلا للأمر القادم من الله فإن امتثال إنسان الأمر من الله بعد قوله: " لا إله إلا الله " كان هذا الإنسان صادقا في قوله: " لا إله إلا الله ". وهذا هو صدق القمة، أن تكون كل تصرفات قائل: " لا إله إلا الله " متطابقة مع هذا القول. والمؤمن الحق هو من يبني كل تصرفاته موافقة لمنهج الله. هذا هو الإنسان الصادق. أما الذي يقول بلسانه: " لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله " ثم يخالف ربه بعصيانه له، لنا أن نقول له: أنت كاذب في قولك " لا إله إلا الله " لماذا؟ لأنه لم يطابق النسبة التي قالها. إن هذا الإنسان إذا آمن بأي تكليف ثم فعل ما يناقضه قلنا له: أنت منافق، لماذا؟ لأننا عندما تكلمنا في أول سورة البقرة عن المنافقين قلنا: إن المؤمن حين يؤمن بالله يكون صادقا مع نفسه لأن قال: " لا إله إلا الله " وهو مؤمن بها، والكافر حين ينكر الألوهية يكون صادقا مع نفسه أيضا. أما المنافق فهو لا يصدق مع نفسه، ولا يصدق مع الناس، إنه مذبذب بين هؤلاء وهؤلاء. إن المنافق بلا صدق مع النفس، ولذلك يصفهم الحق:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٨